توسعة المسعى.. ومرجعيتنا الدينية1/3
د/سعد بن عبد الله البريك
الخلاف الفقهي حول توسعة المسعى الجديدة وحكم السعي بناء عليها أخذ حظا كبيرا من البحث والنظر والتداول بين علماء المملكة العربية السعودية، ودار الخلاف بين منع هذه التوسعة الجديدة أفقيا واقتراح اعتماد توسعة عمودية من جهة، وبين إباحة هذه التوسعة أفقيا بناء على أسس تاريخية وجغرافية وفقهية.
لن أدخل هنا في فروع البحث الفقهي المتعلقة بهذه المسألة، فلقد تحدّث عشرات العلماء والباحثين عن الحكم التفصيلي لهذه القضية، لكنّ المثير للانتباه هو ذلك الانتقال المثير من النقاش حول حكم شرعي فقهي إلى لمز هيئة كبار العلماء في المملكة، وهي مرجعيتنا الدينية بلا مدافع، بحجة أن فتوى أكثريتهم بمنع التوسعة الأفقية في المسعى داخلة في باب (التنطع) و(التشديد) و(التضييق على الأمة)!
وكان يمكن للموضوع أن يقف عند حد هذا الخلاف الفقهي ما بين طرفين لكل منهما وجهة نظره وأدلته الشرعية التي يستند عليها، غير أن الموضوع اتُّخذ سلما حاول من خلاله بعضهم الطعن في العلماء، وتصنيف مجيزي التوسعة الجديدة بعلماء التيسير ومانعيها بعلماء التشدد والتعسير!
من الملفت للانتباه أن بعض وسائل الإعلام حاولت رصد آراء مختلف المرجعيات الدينية في العالم الإسلامي لمعرفة موقفها الفقهي من قضية توسعة المسعى، ولكنّ بعض الصحف تجاوزت مهمتها في الإعلام ونقل المشهد كما هو، واستطلاع آراء الفقهاء والعلماء والباحثين، إلى التعليق على هذه الأحكام (الشرعية) بما يُخالف طبيعة هذه الأحكام نفسها، حيث صار رأي العلماء المؤيدين لتوسعة المسعى في نظرهم (إجماعا!!) لا تجوز مخالفته، وهم بذلك وجهوا تُهمة غير مباشرة إلى هيئة علمائنا بالمملكة أساسها أنهم مخالفون لإجماع الأمة، مفارقون لجماعتها، مشددون عليها ومُضيّقون.
بعيدا عن الجدل الفقهي الذي أثارته القضية، هل يُعقل أن يتحول البحث الفقهي في مسألة شرعية فرعية إلى تجريح مرجعيتنا الدينية المشهود لها بالكفاءة والعلم والإخلاص، ليصفهم المخالف بأنهم (يرفضون رفع الحرج عن المسلمين) وأنهم (ينسون أننا أمة التسامح واليُسر)، وفق تعبير بعض الباحثين والمشايخ الذين أخذت وسائل الإعلام رأيهم حول الموضوع؟ وهل يصح أن يُصادر حق العلماء في الإفتاء وإبداء رأيهم المقرون بالأدلة الشرعية ـ ولو فرضنا أن رأيهم مرجوح ـ إلى درجة يجزم فيها بعض المشايخ بأنه (لا يُمكن لفقيه أو مجتهد أن يُعارض عملا فيه مصلحة المسلمين)، ويتساءل بعضهم (هل ضاقت الشريعة وضاق الفقه حتى نقول لا تجوز توسعة المسعى؟)، في حين تنسب بعض المجلات على لسان [أساتذة الفقه] أنهم يتساءلون مستنكرين (كيف يتحدث ويُصدر فتاوى من لا يملك الدليل الشرعي ولا يعرف حكمة التشريع؟)، فإنا لله إن كانت مرجعيتنا الدينية تُوصف بهذه الصفات على صفحات جرائدنا ومجلاتنا!
الجديد في هذه المسألة ليس الخلاف الفقهي نفسه، ولكن اتخاذ الخلافات الفرعية سلما يُرتقى من خلاله إلى ضرب مرجعيتنا الدينية ونبزها بالتخلف والجهل والتشديد والتضييق، لأنها أفتت بما أداه إليها مقتضى اجتهادها، بغض النظر عن مدى إصابتها للحق في هذه المسألة من عدمه. علما أن هذه المرجعية نفسها ـ ولا أزعم لها الكلام المنشود ـ هي التي عصم الله بها بلادنا من فتنة الفرقة إبان حرب الخليج الثانية، ولو اضطربت أو ترددت أو تابعت كثيرا من مخالفيها آنذاك لكان الحرج والبلاء عظيما، وهذه المرجعية نفسها هي التي عصم الله بها بلادنا من أن تنجرف إلى مزالق التكفير والإرهاب، لأن آراءها الشرعية المنضبطة بميزان الشرع وقفت في وجه الفكر المنحرف حين بروزه، واجتهد العلماء ـ جزاهم الله عنا كل خير ـ في صد الشباب عن التحول إلى آلات لصناعة الموت، وحقن الله بهم دماء وعصم عقولا من الولوغ في دماء المسلمين، وهذه المرجعية نفسها هي التي حذرت في وقت مبكر من خطر التغريب وتدمير المرأة والأسرة وتحطيم الضوابط الكفيلة بحفظ الأخلاق والقيم تحت دعاوى العولمة والمعاصرة والتنوير، فكيف نستجيز لأنفسنا ـ نحن المستفيدين من علمهم ونصحهم ـ أن نتحول إلى معاول تساهم في هدم مصداقيتهم التي اجتمعت على هدّها معاول العلمانيين والليبراليين وأصحاب الأفكار المنحرفة، إضافة إلى مُسعري حروب الحضارات والديانات في الخارج!
لقد أفتى كثيرون من هيئة كبار العلماء بما اعتقدوا أنه الحق، تماشيا مع قراءتهم وفهمهم للأدلة الشرعية، وبناء على ما أدى إليه اجتهادهم. وخالف علماء داخل المملكة وخارجها وأفتوا بما اعتقدوا أنه حق، تماشياً ـ هم أيضا ـ مع قراءتهم وفهمهم للأدلة الشرعية، وهذا نموذج مصغّر لطبيعة الاختلاف في مدارك النظر وقراءة الأدلة وطرق الاستنباط بين فقهائنا الأوائل الذين تمخضت تجاربهم الفقهية عن مذاهب متبعة في العالم الإسلامي، ولم يقل صاحب مذهب متّبع عن غيره، ولا فقيهٌ عن آخر، إنه جاهل بمدارك التشريع، وبمواضع المصالح، وبحدود ما يُشكل ضررا على المسلمين وما يرفع عنهم الحرج، كما لم يقل أحد من العلماء بأن الخلاف الفقهي في هذه المسائل ناجم عن تيسير طرف وتشديد آخر، مادام الجميع يغرف من بحر الشريعة الذي تُحيّر مداركه العقول، وتُذهل أسرارُه العلماء، وتتجلى فيه رحمة الله لعباده.
المهم، هل نفهم ماذا يعني قصف المرجعية الشرعية، وما هي آثار ذلك على الأمة والوطن و...
فيا ليتنا نتجنب تحويل بنائنا الفقهي المتنوع والغني بتجارب القرون وحكمة العقول إلى أطلال جنت عليها رياح الفُرقة العاتية، وتسفيه مرجعيتنا الدينية وعلمائنا الذين ساهموا في بناء صرح هذه الأمة، ولنكنْ أكبر من أن نخوض حروب غيرنا بالوكالة لنهدم بيوتنا بأيدينا. وللحديث تتمة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق