في عصر ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين الذي يبشر به زمن الهيمنة الأمريكية على العالم ومحاولاتها لفرض ثقافتها الدموية وعقليتها الموغلة في التطرف والعنصرية ومشروعها الاستعماري ...
يحار الحليم ويندهش العاقل ويتلعثم الفصيح في محاولة فهم هذا الانفصام في التعامل والثنائية في الخطاب والاختلاف في الأوجه في كل ما يمس قضايانا وأمورنا.
لا يزال الشعب الفلسطيني تحت الحصار الجماعي الخانق لتطويعه وكسر شوكته وتحويله إلى جماعات من المشردين والجوعى يعيشون في مخيمات فوق أرضهم ، على غرار ما فعلته أمريكا بالهنود الحمر عندما احتلت أرضهم.
كل ذلك عقوبة لـهذا الشعب على اختياره الحر والنزيه لحكومة تمثل نبضه وتطلعاته في نهج مقاوم مطالب بإعادة الحقوق واسترداد الكرامـة والتأكيد على الهويـة الإسلامية .
يعاقب شعب بأكمله لأنه اختار حكومته بوسيلة حددتها أمريكا سلفاً ففرضت الانتخابات عبر صناديق الاقتراع وفازت فيها أطراف بانتخابات شهد على نزاهتها الولايات المتحدة نفسها ومِن ورائها الاتحاد الأوروبي ، فعوقب الشعب بأكمله ، مَن أيد الحكومة الجديدة ومَن عارضها ، بحجة أنها منظمة إرهابية ، لأنها تقاوم المحتل الذي استعمر الأرض وأهلك الحرث والنسل وقتل الأطفال ورمل النساء وأهان الشيوخ وملأ السجون بالأحرار الذين أبوا أن يقول نعم للاحتلال.
في حين أن الديموقراطية الأمريكية رضيت وسمحت بأن تغدق المساعدات على الشعب الإسرائيلي رغم أنه اختار عبر صناديق الاقتراع وبنفس الوسيلة حكومة يرأسها الإرهابي العريق والمجرم المتمرس وسفاح العصر شارون ، ورغم أنها تضم بين أعضائها ثلة من المجرمين والإرهابيين الذين لا يقلون عن رئيسهم حقداً وكرهاً للشعب الفلسطيني .
فما الذي يبيح دماء وأرواح الشعب الفلسطيني المسلم ليموت من قلة الغذاء وندرة الدواء ، ويجعل الشعب اليهودي الغاصب المحتل مستحقاً لألوان الدعم والمؤازرة بالمال والسلاح وألوان المعونات ؟!.
إن تكاتف الغرب على قطع المساعدات عن الشعب الفلسطيني أسقط ورقة التوت التي كانت تستر شيئاً من سوآته ، وفضح مدى تلاعبه بمصطلح الديموقراطية ، فلا ديموقراطية إذا تعارضت مع مصالح أمريكا والغرب ، ولا ديموقراطية إن كان الشعب سيقول نعم للإسلام ، ولا ديموقراطية إن كانت ستؤدي إلى كسر الهيمنة الغربية على الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية على الأمة .
كما أدى هذا الحصار إلى كشف النوايا الحقيقية التي تبطنها أمريكا والغرب اتجاه المسلمين ، فالمطلوب من الشعوب أن ترضى بمن يُفرَض الغرب عليها ليحكمها ولو خانها وسرقها وتاجر بقضيتها ، أما أن يكون الخيار هو الإسلام فلا ، وهذا ما حدث مع جبهة الإنقاذ في الجزائر، وهذا ما يحدث حالياً للحكومة المنتخبة في فلسطين ، بغض النظر عن شرعية الطريقة التي وصلت فيها إلى الحكم، وليس من قبيل الصدفة أن تبدأ المؤامرات لإفشالها قبل أن تتسلم مهام ومسؤوليات السلطة.
حتى المنظمات التي تدعي أنها تحمي حقوق الإنسان وتدافع عنها مثل منظمة " هيومن رايتس ووتش " اتخذت موقفاً عدائياً من الشعب الفلسطيني لاختياره الإسلام ... .
كتبت المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى رئيس المفوضية الأوروبية قائلة : (وإذا تضمن برنامج أية حكومة فلسطينية جديدة تنفيذ أو السماح بالهجمات ضد المدنيين ــ تعني المدنيين الإسرائيليين ــ ، فينبغي على المانحين الدوليين تعليق مساعداتهم المالية المباشرة للسلطة الفلسطينية.) . ( نقلاً عن موقع المنظمة ) .
لقد رضيت الديموقراطية الأمريكية بأن تجوَّع شعباً بأكمله رغم يقينها أن هذا يتنافى مع كل الديانات السماوية ويتناقض مع أدنى القواعد الأخلاقية والأعراف الدولية ، فضلاً عن أنه يتعارض وبشكل فاضح وصريح مع اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12آب/أغسطس 1949 ، والتي وقعت عليها معظم دول العالم بما فيها أمريكا وأوروبا وإسرائيل حيث جاء في الباب الأول ، المــادة الثالثة ما يلي : في حالة قيام نزاع مسلح ليس له طابع دولي في أراضي أحد الأطراف المتعاقدة، يلتزم كل طرف في النزاع بأن يطبق كحد أدنى الأحكام التالية :
الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم، والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر، يعاملون في جميع الأحوال معاملة إنسانية، دون أي تمييز ضار يقوم على العنصر أو اللون، أو الدين أو المعتقد، أو الجنس، أو المولد أو الثروة أو أي معيار مماثل آخر.
ولهذا الغرض، تحظر الأفعال التالية فيما يتعلق بالأشخاص المذكورين أعلاه، وتبقى محظورة في جميع الأوقات والأماكن :
أولاً : الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب .
ثانياً : أخذ الرهائن.
ثالثاً : الاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة .
لكن كم هو مسكين هذا الشعب الذي يحارب في لقمة عيشه ن فلا اخلاق تردع المحرمين عن انتهاك حرماته ، ولا مواثيق دولية يمكن ان توفر له نوعاً من الحماية تُحتَرم ...
وكم هو عظيم هذا الشعب وكم هو قادر على أن يتشبث بحقه وأرضه ولا زال آلاف اللاجئين يحتفظون بمفاتيح بيوتهم وصكـوك ملكية أراضيهم وبيوتهم ويورثوها أولادهم بانتظار يوم التحرير وطرد الغزاة المحتلين ...
وكم هو صبور هذا الشعب الذي لم يعرف الراحة منذ ما يزيد عن نصف قرن من الزمان ولا زالت المؤامرات تحــاك ضده و ضد إرادته ووجوده ، وكم عانى من المذابح في دير ياسين وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا.
إنه شعب أبيٌّ ، عزيز النفس ، شامخ الرأس لديه كل مؤهلات النصر على أعدائه ، لكن كل ما كان ينقصه هو قيادة ترتقي إلى مستوي تضحياته وتحفظ كرامته وعندما اختار هذه القيادة حوصر وسجن وجوَّع وشُرد وترك فريسة الأمراض والأوبئة دون دواء أو علاج .
جريمة هذا الشعب الكبرى وذنبه الوحيد أنه مارس عملية ديمقراطية طالما دافعت عنها أمريكا والغرب ؛ واختُصرت القضية الفلسطينية ومأساتها الكبرى بموضوع الرواتب، وكيفية دفعها ، وتراجعت الأولويات والقضايا الكبرى فالحديث عن الجدار العنصري، والسياسات أحادية الجانب التي تتبناها حكومة أولمرت الجديدة، في ترسيم الحدود، وضم القدس المحتلة والقتل اليومي المستمر كلها باتت قضايا ثانوية وهامشية.
لقد آن للأمة أن تعي كيف تتعامل أمريكا مع قضايانا بمعايير مزدوجة وأوجه مختلفة ، وسأسوق شيئاً منها لينجلي الصبح لكل ذي عينين:
في عام 1954 م وباقتراح من الولايات المتحدة وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تأسيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية بهدف منع انتشار الأسلحة النووية ، وما إن صدر القرار حتى أعلنت إسرائيل رسميًا عن إنشاء لجنة للطاقة الذرية؛ كمؤشر على مضيها في حيازة وامتلاك السلاح النووي متحدية بذلك الإرادة الدولية ، وغضت أمريكا الطرف عن هذا التحدي السافر . لكن عندما شرع العراق في بناء مفاعله النووي أعطت أمريكا الضوء الأخضر لإسرائيل لضرب هذا المفاعل وتدميره .
وفي حرب الخليج الأولى قام النظام العراقي باستعمال الأسلحة الكيمائية على نطاق واسع ضد الإيرانيين وضد الأكراد في الشمال ، وقامت قوات الأمن العراقية باعتقال وتعذيب المئات من العراقيين لأسباب مختلفة، وكان كل ذلك تحت سمع وبصر الإدارة الأمريكية التي لم تحرك ساكناً ، بل إن الرئيس الأمريكي بوش الأب أوفد وفداً عالي المستوى من مجلس الشيوخ إلى بغداد لتأكيد عمق الصداقة بين البلدين وللطلب من الرئيس العراقي غض النظر عن بعض النقد اللاذع الذي يسمعه بين الحين والآخر من الصحافة الأمريكية .
لكن عندما تبدلت المصالح ، ولم يعد النظام العراقي يخدم الاهداف الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة تم احتلال بغداد بحجة أسلحة الدمار الشامل وانتهاك حقوق الإنسان .
بثت شبكة "فوكس نيوز" الأميركية شريط فيديو مدته 23 دقيقة تضمن مشاهد تعذيب قام بها النظام العراقي السابق بحقّ عراقيين ، وفوراً صرّح وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد للـ"فوكس نيوز" قائلاً : "عندما ترى أشخاصاً يصوّرون مشاهد تعذيب أمام جمهور يصفّق ويهتف، تتعرّف على هوية هؤلاء الأشخاص وكيف يعيشون وكيف يعاملون شعبهم. ونحن مسرورين برحيلهم وبأننا حرّرنا 23 مليون شخصاً منهم".
وعندما دخلت القوات الأمريكية بغداد باسم التحرير المزعوم ، مارست أبشع أنواع الإذلال والتعذيب بحق العراقيين المحررين !. ففي تقرير سري للشرطة العسكرية الأميركية تسرّب من البينتاغون نشرته مجلة تايمز الأميركية (عدد 163-20/17 مايو ، 2003 ) قام عناصر وضباط من الجيش الأميركي بضرب وركل السجناء والقفز على أرجلهم وهم حفاة ، وتضمن تصويراً فوتوغرافياً وفيديو للسجناء والسجينات خلال التعذيب وهم عراة وإجبارهم على ارتداء ملابس داخلية نسائية، بالإضافة إلى إجبارهم على القيام بأعمال جنسية وتصويرهم خلال ذلك. ويؤكد التقرير استخدام الأميركيين مواد كيميائية، بما فيها الفوسفور الحارق، خلال تعذيب المعتقلين . وقام عناصر الجيش بتكديس السجناء فوق بعضهم والقفز عليهم .وقام عناصر الشرطة العسكرية الأميركية باغتصاب السجينات العراقيات أمام عدسات الكاميرا. واستخدمت الكلاب العسكرية في تعذيب الناس بنهش لحومهم وقضم عوراتهم . وتمّ تصوير السجناء القتلى والتنكيل بجثثهم... إلى غير ذلك من الأساليب الوحشية التي يطول المقام في سردها.
وبعد أن كان الرئيس ياسر عرفات هو رجل السلام في نظر الإدارة الأمريكية وإسرائيل ، وتم منحه جائزة نوبل للسلام ، إذ به ينقلب في نظرهم ليصبح عدو السلام ، فتم احتجازه في مقره في رام الله إلى أن استطاعوا التخلص منه وقتله في ظروف لم يكشف عنها حتى الآن ، وإن كانت معروفة للجميع .
وفي الوقت الذي تحشر فيه أمريكا أنفها في كل دولة باسم حقوق الإنسان ابتداءً بدارفور مروراً بمصر وسوريا ، نراها تغدق الدعم المطلق والأعمى للحكومة الإسرائيلية في تصرفاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة وعدوانها على الشعب الفلسطيني ودعمها للاستيطان في الضفة الغربية ، خصوصًا بعد أن قررت الحكومة الإسرائيلية التوسع في بناء المستوطنات القائمة في الضفة ، وبناء أكثر من ألف مسكن جديد بها ، ووقوفها ضد قرار محكمة العدل الدولية بمنع بناء الجدار الفاصل الذي صدر بأغلبية أربعة عشر قاضي دولي ومعارضة قاضي واحد أمريكي الجنسية؟!.
الشعب الفلسطيني يعاني بسبب الحصار الذي فرضته الديموقراطية الأمريكية من نقصٍ كبير في عددٍ من المواد الأساسية و خاصة الدقيق؛ الذي يعتبر الغذاء الرئيس للفلسطينيين، مما اضطر عشرات المخابز إلى إغلاق أبوابها، واصطف عشرات المواطنين في طوابير أمام بضع مخابز لا زال فيها بعضٌ من خبز ، وشهدت أسعار المنتجات الغذائية ارتفاعاً كبيراً، وازداد عدد العاطلين عن بسببّ إغلاق المعابر والمنافذ البرية ، وبات الوضع ينذر بكارثة إنسانية .
وتضررت الصناعات الفلسطينية الصغيرة والعمّال الذين يعملون بداخل تلك المنشات الصناعية والتي تعيل أسرهم وتوفّر لهم لقمة العيش.
وأصبح المواطن الفلسطيني الذي يعاني من أمراض مزمنة لا يجد ما يحتاجه من الأدوية وعلاجات في المستشفيات والمراكز الصحية، واضطرت بعض المستشفيات إلى تأجيل العمليات الجراحية بسبب نقص بعض الأدوية، كما يعاني مرضى الكلى من تخفيض عدد مرات الغسيل بسبب نقص بعض المواد الطبية،
وإذا تبرعت جمعيات أو دول بشيء من الأدوية برزت مشكلة إدخالها إلى داخل فلسطين فهناك صعوبات كبيرة في إدخالها نظراً للحصار المشدَّد من قبل السلطات الصهيونية.
الديموقراطية الأمريكية لم تفهم ولم تعي أن فوز من فاز في الانتخابات يعني أن من حقه أن يمارس قناعاته في السلطة بمفرده أو بمشاركة الآخرين معه، ومن حقه أن يعمل على تطبيق برنامجه السياسي والانتخابي الذي اختاره الناس على أساسه ، ولا يجوز تحت إي مبرر أن تلجأ الأطراف الأخرى داخلية أو خارجية للسعي لحرمانه من هذا الحق ، وفي الوقت نفسه لا يجوز لدعاة الديمقراطية من أمريكان وأوروبيين معاقبة الشعب الفلسطيني على اختياره الإسلام.
لأجل هذا كله اختار الشعب الفلسطيني الوقوف معها والصمود في وجه هذه الضغوط ، ودعم حكومته، وإن السياسة الغربية الهوجاء إزاء الحكومة الفلسطينية لن تنجح على المدى البعيد, ولو تمكنت هذه الضغوط من إسقاط الحكومة، فهي لا تفعل سوى تعزيز قوتها وشعبيتها .
لقد أوضحت هذه الأزمة للشعب الفلسطيني مدى خيانة بعض قياداته السابقة التي رضيت بأن تجعل لقمة عيشه بيد أمريكا والغرب دون أن تسعى لخلق فرص استثمارية وموارد مالية تعود على أبناء الوطن.
إن المال الغربي الذي كان يُضَّخ في الساحة الفلسطينية لم يكن من باب الصدقات الجارية ، بل كان له ثمن ، وهذا الثمن هو الاعتراف بإسرائيل، ووقف المقاومة والاعتراف باتفاقيات أوسلو ، ويجب على الحكومة الجديدة أن تدفعه مقابل استمرار التمويل .
وعند التأمل نجد أن هذا المطلب غير واقعي وغير عادل وغير متوازن، فجماعة أوسلو من الفلسطينيين ظلوا متمسكين بالاتفاقيات، لكن إسرائيل مزقتها، بل إن تطويق عرفات ــ موقِّع أوسلو ــ ثم قتله تمَّت على يد وزراء جماعة أوسلو الإسرائيليين وبالأخص منهم شمعون بيريز.
هذه هي الديموقراطية الأمريكية ، وهذه هي القيم والمثل الغربية التي تدعو تجويع شعب كامل اتباعاً للمثل المعروف جوع كلبك يتبعك .
لكن الواقع والتاريخ والحقيقة تقول إن الفلسطينيين أسودٌ ينطبق عليهم المثل القائل : جوِّع الأسد يأكلك .
ولسان حال هؤلاء الأسود يقول : نقابل كل خطوة حصار بمزيد من الإصرار .
لقد اكتشف ذلك الشعب أن السلام مع إسرائيل أكذوبة كبرى ... فأقفال السجن جاهزة وتحت الطلب سجن غزة الكبير ، وسجن الضفة الغربية المقسمة على مناطق معزولة غير متصلة فضلاً عن الزنازين والمعتقلات في إسرائيل والتي تغص بالأسرى .
كم خدع أناس بهذا السلام حينمــا ظنوا أن سنغـافورة أخرى ستكون في فلسطين ، لكنهم رأوا الحصـار والجوع ، ورأوا رموزاً بلا سيــادة ومطار بلا سيادة وموانيء بلا سيادة واقتصاد تابع بلا سيـادة وبنوك وبورصة بلا حريـة.
الاقتصاد الفلسطيني و استثماراته مرهونــ بالمزاج الإسرائيلي ، وإغلاق المعابر هو الأســاس وفتحها هو الاستثنـاء ولم يحصد هذا الشعب إلا الخسارة الاقتصادية وفشـل التصدير الزراعي و فشل الاستيراد.
لقد اقتنع هذا الشعب بأن السلام تمثيلية كبيرة ، المخرج صهيوني والمنتج أمريكي أوروبي.
تشير بعض التقارير إلى أن مجالس الآباء في مدينة الخليل قدموا مبالغ للمدرسين مقابل أن يستمروا في تدريس الطلبة ، ومناطق أخرى فعلت نفس الشيء ، كما أشارت إلى أن رجل أعمال فلسطيني تبرع برواتب شهرين لجميع أبناء بلدته.
وقالت هذه التقارير إن المدرسين والموظفين يتوافدون لرئاسة الوزراء ليقولوا إننا صابرون .
وأن نساء فلسطينيات يأتين أيضاً ليتبرعن بحليهن ويقلن : إياكم أن تتنازلوا عن برنامج المقاومة.
نقاط قوة الحكومة الجديدة عديدة من بينها نظافة يد وزرائها ومسؤوليها، وتركيزهم طوال السنوات الماضية علي تلبية الحد الأدنى من احتياجات المواطن الفلسطيني الحياتية ، وعقارب الساعة لا يمكن أن تعود إلى الوراء مطلقاً فلن يقبل الشعب الفلسطيني بعودة أمراء الفساد إلى السلطة مرة أخرى، فقد عانى كثيراً من غرورهم وانتهازية الغالبية الساحقة منهم، والتطوع بتقديم التنازلات دون مقابل.
وزراء هذه الحكومة لن يسهروا في تل أبيب، ولن يتناولوا العشاء في مطاعم ناتانيا، ونساؤهم لن يتبضعن من شارع ديزنغوف الشهير، ولهذا حظوا بالدعم والمساندة، وحصلوا على أصوات الناس حتى أولئك الذين يختلفون معهم عقائدياً.
قام مركز أبحاث المستقبل بعمل استطلاع للرأي العام الفلسطيني في قطاع غزة حول توجهات أبناء المجتمع الفلسطيني تجاه الحكومة الجديدة والضغوط الخارجية.فتبين أن 84.6بالمائة من المستطلعة آراؤهم في قطاع غزة، يرفضون رضوخ الحكومة الجديدة للمطالب الأمريكية، الأوروبية والإسرائيلية.
وحول صمود الحكومة في وجه الحصار توقع 59.6بالمائة من أفراد العيِّنة صمود الحكومة على الوضع القائم، وهذا مؤشر على أن هناك ثقة كبيرة يوليها الشعب الفلسطيني لحكومته .
عباد الله : إن من شكر الله تعالى على نعمه علينا ، أن نمد يد العون إلى إخواننا في فلسطين . ففي الصحيحين عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". وفي رواية لمسلم:" المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله".
قال النووي رحمه الله تعالى: "هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد".
إن من حق المسلم على أخيه التأييد والإعانة حسب القدرة بالنفس والمال .
قال تعالى {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} . وقال { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من يوم يصبح العباد فيه ، إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعطِ منفقاً خلفاً ، ويقول الآخر : اللهم أعطِ ممسكاً".رواه الشيخان .
عن جرير بن عبد الله قال : جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة فأبطؤا عنه حتى رؤى ذلك في وجهه قال : ثم إن رجلاً من الأنصار جاء بصرة من ورق ثم جاء آخر ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء".
الصدقة تقي مصارع السوء وتدفع البلاء وتجلب الرزق وتفرح القلب ، وتوجب الثقة بالله وحسن الظن به ، وتزكي النفس ، وتحبب العبد إلى الله وإلى خلقه ، وتستر عليه كل عيب ، وتزيد في العمر . ويكفي في فضلها أن الجزاء من جنس العمل : فمن كسى مؤمناً كساه الله ، ومن أشبع جائعاً أشبعه الله ، ومن سقى ظمآناً سقاه الله، ومن نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة 0
ومن عجز عن دفع ما تيسر من المال فلا أقل من أن يجار إلى الله بالدعاء بأن يرفع عن المسلمين في فلسطين وفي كل مكان الكربة ويزيل عنهم الغمة .
فلنوطن أنفسنا الدعاء لإخواننا في كل وقت وحال ، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فقد انتصر للمسلمين وأيدهم بيده ولسانه وماله ودعائه .
عندما دخلت خزاعة في حلف النبي صلى الله عليه وسلم أغارت عليهم بنو بكر مع قريش، وقتلت منهم من قتلت، فخرج عمرو بن سالم الخزاعي وبديل بن ورقاء الخزاعي وقوم من خزاعة، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مستغيثين به فيما أصابهم به بنو بكر وقريش وأنشده عمرو بن سالم فقال:
يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعا وسجـدا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا نصرت إن لم أنصر بني كعب " ، وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ففتحها الله وذلك في سنة ثمان من الهجرة .
ونصر صلى الله عليه وسلم أصحابه بدعائه . أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت شهراً بعد الركوع يدعو على أحياء من بني سليم. قال: بعث سبعين من القراء إلى أناس من المشركين فعرض لهم هؤلاء فقتلوهم، وكان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فما رأيته وجد على أحد ما وجد عليهم.
يحار الحليم ويندهش العاقل ويتلعثم الفصيح في محاولة فهم هذا الانفصام في التعامل والثنائية في الخطاب والاختلاف في الأوجه في كل ما يمس قضايانا وأمورنا.
لا يزال الشعب الفلسطيني تحت الحصار الجماعي الخانق لتطويعه وكسر شوكته وتحويله إلى جماعات من المشردين والجوعى يعيشون في مخيمات فوق أرضهم ، على غرار ما فعلته أمريكا بالهنود الحمر عندما احتلت أرضهم.
كل ذلك عقوبة لـهذا الشعب على اختياره الحر والنزيه لحكومة تمثل نبضه وتطلعاته في نهج مقاوم مطالب بإعادة الحقوق واسترداد الكرامـة والتأكيد على الهويـة الإسلامية .
يعاقب شعب بأكمله لأنه اختار حكومته بوسيلة حددتها أمريكا سلفاً ففرضت الانتخابات عبر صناديق الاقتراع وفازت فيها أطراف بانتخابات شهد على نزاهتها الولايات المتحدة نفسها ومِن ورائها الاتحاد الأوروبي ، فعوقب الشعب بأكمله ، مَن أيد الحكومة الجديدة ومَن عارضها ، بحجة أنها منظمة إرهابية ، لأنها تقاوم المحتل الذي استعمر الأرض وأهلك الحرث والنسل وقتل الأطفال ورمل النساء وأهان الشيوخ وملأ السجون بالأحرار الذين أبوا أن يقول نعم للاحتلال.
في حين أن الديموقراطية الأمريكية رضيت وسمحت بأن تغدق المساعدات على الشعب الإسرائيلي رغم أنه اختار عبر صناديق الاقتراع وبنفس الوسيلة حكومة يرأسها الإرهابي العريق والمجرم المتمرس وسفاح العصر شارون ، ورغم أنها تضم بين أعضائها ثلة من المجرمين والإرهابيين الذين لا يقلون عن رئيسهم حقداً وكرهاً للشعب الفلسطيني .
فما الذي يبيح دماء وأرواح الشعب الفلسطيني المسلم ليموت من قلة الغذاء وندرة الدواء ، ويجعل الشعب اليهودي الغاصب المحتل مستحقاً لألوان الدعم والمؤازرة بالمال والسلاح وألوان المعونات ؟!.
إن تكاتف الغرب على قطع المساعدات عن الشعب الفلسطيني أسقط ورقة التوت التي كانت تستر شيئاً من سوآته ، وفضح مدى تلاعبه بمصطلح الديموقراطية ، فلا ديموقراطية إذا تعارضت مع مصالح أمريكا والغرب ، ولا ديموقراطية إن كان الشعب سيقول نعم للإسلام ، ولا ديموقراطية إن كانت ستؤدي إلى كسر الهيمنة الغربية على الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية على الأمة .
كما أدى هذا الحصار إلى كشف النوايا الحقيقية التي تبطنها أمريكا والغرب اتجاه المسلمين ، فالمطلوب من الشعوب أن ترضى بمن يُفرَض الغرب عليها ليحكمها ولو خانها وسرقها وتاجر بقضيتها ، أما أن يكون الخيار هو الإسلام فلا ، وهذا ما حدث مع جبهة الإنقاذ في الجزائر، وهذا ما يحدث حالياً للحكومة المنتخبة في فلسطين ، بغض النظر عن شرعية الطريقة التي وصلت فيها إلى الحكم، وليس من قبيل الصدفة أن تبدأ المؤامرات لإفشالها قبل أن تتسلم مهام ومسؤوليات السلطة.
حتى المنظمات التي تدعي أنها تحمي حقوق الإنسان وتدافع عنها مثل منظمة " هيومن رايتس ووتش " اتخذت موقفاً عدائياً من الشعب الفلسطيني لاختياره الإسلام ... .
كتبت المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى رئيس المفوضية الأوروبية قائلة : (وإذا تضمن برنامج أية حكومة فلسطينية جديدة تنفيذ أو السماح بالهجمات ضد المدنيين ــ تعني المدنيين الإسرائيليين ــ ، فينبغي على المانحين الدوليين تعليق مساعداتهم المالية المباشرة للسلطة الفلسطينية.) . ( نقلاً عن موقع المنظمة ) .
لقد رضيت الديموقراطية الأمريكية بأن تجوَّع شعباً بأكمله رغم يقينها أن هذا يتنافى مع كل الديانات السماوية ويتناقض مع أدنى القواعد الأخلاقية والأعراف الدولية ، فضلاً عن أنه يتعارض وبشكل فاضح وصريح مع اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12آب/أغسطس 1949 ، والتي وقعت عليها معظم دول العالم بما فيها أمريكا وأوروبا وإسرائيل حيث جاء في الباب الأول ، المــادة الثالثة ما يلي : في حالة قيام نزاع مسلح ليس له طابع دولي في أراضي أحد الأطراف المتعاقدة، يلتزم كل طرف في النزاع بأن يطبق كحد أدنى الأحكام التالية :
الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم، والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر، يعاملون في جميع الأحوال معاملة إنسانية، دون أي تمييز ضار يقوم على العنصر أو اللون، أو الدين أو المعتقد، أو الجنس، أو المولد أو الثروة أو أي معيار مماثل آخر.
ولهذا الغرض، تحظر الأفعال التالية فيما يتعلق بالأشخاص المذكورين أعلاه، وتبقى محظورة في جميع الأوقات والأماكن :
أولاً : الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب .
ثانياً : أخذ الرهائن.
ثالثاً : الاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة .
لكن كم هو مسكين هذا الشعب الذي يحارب في لقمة عيشه ن فلا اخلاق تردع المحرمين عن انتهاك حرماته ، ولا مواثيق دولية يمكن ان توفر له نوعاً من الحماية تُحتَرم ...
وكم هو عظيم هذا الشعب وكم هو قادر على أن يتشبث بحقه وأرضه ولا زال آلاف اللاجئين يحتفظون بمفاتيح بيوتهم وصكـوك ملكية أراضيهم وبيوتهم ويورثوها أولادهم بانتظار يوم التحرير وطرد الغزاة المحتلين ...
وكم هو صبور هذا الشعب الذي لم يعرف الراحة منذ ما يزيد عن نصف قرن من الزمان ولا زالت المؤامرات تحــاك ضده و ضد إرادته ووجوده ، وكم عانى من المذابح في دير ياسين وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا.
إنه شعب أبيٌّ ، عزيز النفس ، شامخ الرأس لديه كل مؤهلات النصر على أعدائه ، لكن كل ما كان ينقصه هو قيادة ترتقي إلى مستوي تضحياته وتحفظ كرامته وعندما اختار هذه القيادة حوصر وسجن وجوَّع وشُرد وترك فريسة الأمراض والأوبئة دون دواء أو علاج .
جريمة هذا الشعب الكبرى وذنبه الوحيد أنه مارس عملية ديمقراطية طالما دافعت عنها أمريكا والغرب ؛ واختُصرت القضية الفلسطينية ومأساتها الكبرى بموضوع الرواتب، وكيفية دفعها ، وتراجعت الأولويات والقضايا الكبرى فالحديث عن الجدار العنصري، والسياسات أحادية الجانب التي تتبناها حكومة أولمرت الجديدة، في ترسيم الحدود، وضم القدس المحتلة والقتل اليومي المستمر كلها باتت قضايا ثانوية وهامشية.
لقد آن للأمة أن تعي كيف تتعامل أمريكا مع قضايانا بمعايير مزدوجة وأوجه مختلفة ، وسأسوق شيئاً منها لينجلي الصبح لكل ذي عينين:
في عام 1954 م وباقتراح من الولايات المتحدة وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تأسيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية بهدف منع انتشار الأسلحة النووية ، وما إن صدر القرار حتى أعلنت إسرائيل رسميًا عن إنشاء لجنة للطاقة الذرية؛ كمؤشر على مضيها في حيازة وامتلاك السلاح النووي متحدية بذلك الإرادة الدولية ، وغضت أمريكا الطرف عن هذا التحدي السافر . لكن عندما شرع العراق في بناء مفاعله النووي أعطت أمريكا الضوء الأخضر لإسرائيل لضرب هذا المفاعل وتدميره .
وفي حرب الخليج الأولى قام النظام العراقي باستعمال الأسلحة الكيمائية على نطاق واسع ضد الإيرانيين وضد الأكراد في الشمال ، وقامت قوات الأمن العراقية باعتقال وتعذيب المئات من العراقيين لأسباب مختلفة، وكان كل ذلك تحت سمع وبصر الإدارة الأمريكية التي لم تحرك ساكناً ، بل إن الرئيس الأمريكي بوش الأب أوفد وفداً عالي المستوى من مجلس الشيوخ إلى بغداد لتأكيد عمق الصداقة بين البلدين وللطلب من الرئيس العراقي غض النظر عن بعض النقد اللاذع الذي يسمعه بين الحين والآخر من الصحافة الأمريكية .
لكن عندما تبدلت المصالح ، ولم يعد النظام العراقي يخدم الاهداف الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة تم احتلال بغداد بحجة أسلحة الدمار الشامل وانتهاك حقوق الإنسان .
بثت شبكة "فوكس نيوز" الأميركية شريط فيديو مدته 23 دقيقة تضمن مشاهد تعذيب قام بها النظام العراقي السابق بحقّ عراقيين ، وفوراً صرّح وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد للـ"فوكس نيوز" قائلاً : "عندما ترى أشخاصاً يصوّرون مشاهد تعذيب أمام جمهور يصفّق ويهتف، تتعرّف على هوية هؤلاء الأشخاص وكيف يعيشون وكيف يعاملون شعبهم. ونحن مسرورين برحيلهم وبأننا حرّرنا 23 مليون شخصاً منهم".
وعندما دخلت القوات الأمريكية بغداد باسم التحرير المزعوم ، مارست أبشع أنواع الإذلال والتعذيب بحق العراقيين المحررين !. ففي تقرير سري للشرطة العسكرية الأميركية تسرّب من البينتاغون نشرته مجلة تايمز الأميركية (عدد 163-20/17 مايو ، 2003 ) قام عناصر وضباط من الجيش الأميركي بضرب وركل السجناء والقفز على أرجلهم وهم حفاة ، وتضمن تصويراً فوتوغرافياً وفيديو للسجناء والسجينات خلال التعذيب وهم عراة وإجبارهم على ارتداء ملابس داخلية نسائية، بالإضافة إلى إجبارهم على القيام بأعمال جنسية وتصويرهم خلال ذلك. ويؤكد التقرير استخدام الأميركيين مواد كيميائية، بما فيها الفوسفور الحارق، خلال تعذيب المعتقلين . وقام عناصر الجيش بتكديس السجناء فوق بعضهم والقفز عليهم .وقام عناصر الشرطة العسكرية الأميركية باغتصاب السجينات العراقيات أمام عدسات الكاميرا. واستخدمت الكلاب العسكرية في تعذيب الناس بنهش لحومهم وقضم عوراتهم . وتمّ تصوير السجناء القتلى والتنكيل بجثثهم... إلى غير ذلك من الأساليب الوحشية التي يطول المقام في سردها.
وبعد أن كان الرئيس ياسر عرفات هو رجل السلام في نظر الإدارة الأمريكية وإسرائيل ، وتم منحه جائزة نوبل للسلام ، إذ به ينقلب في نظرهم ليصبح عدو السلام ، فتم احتجازه في مقره في رام الله إلى أن استطاعوا التخلص منه وقتله في ظروف لم يكشف عنها حتى الآن ، وإن كانت معروفة للجميع .
وفي الوقت الذي تحشر فيه أمريكا أنفها في كل دولة باسم حقوق الإنسان ابتداءً بدارفور مروراً بمصر وسوريا ، نراها تغدق الدعم المطلق والأعمى للحكومة الإسرائيلية في تصرفاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة وعدوانها على الشعب الفلسطيني ودعمها للاستيطان في الضفة الغربية ، خصوصًا بعد أن قررت الحكومة الإسرائيلية التوسع في بناء المستوطنات القائمة في الضفة ، وبناء أكثر من ألف مسكن جديد بها ، ووقوفها ضد قرار محكمة العدل الدولية بمنع بناء الجدار الفاصل الذي صدر بأغلبية أربعة عشر قاضي دولي ومعارضة قاضي واحد أمريكي الجنسية؟!.
الشعب الفلسطيني يعاني بسبب الحصار الذي فرضته الديموقراطية الأمريكية من نقصٍ كبير في عددٍ من المواد الأساسية و خاصة الدقيق؛ الذي يعتبر الغذاء الرئيس للفلسطينيين، مما اضطر عشرات المخابز إلى إغلاق أبوابها، واصطف عشرات المواطنين في طوابير أمام بضع مخابز لا زال فيها بعضٌ من خبز ، وشهدت أسعار المنتجات الغذائية ارتفاعاً كبيراً، وازداد عدد العاطلين عن بسببّ إغلاق المعابر والمنافذ البرية ، وبات الوضع ينذر بكارثة إنسانية .
وتضررت الصناعات الفلسطينية الصغيرة والعمّال الذين يعملون بداخل تلك المنشات الصناعية والتي تعيل أسرهم وتوفّر لهم لقمة العيش.
وأصبح المواطن الفلسطيني الذي يعاني من أمراض مزمنة لا يجد ما يحتاجه من الأدوية وعلاجات في المستشفيات والمراكز الصحية، واضطرت بعض المستشفيات إلى تأجيل العمليات الجراحية بسبب نقص بعض الأدوية، كما يعاني مرضى الكلى من تخفيض عدد مرات الغسيل بسبب نقص بعض المواد الطبية،
وإذا تبرعت جمعيات أو دول بشيء من الأدوية برزت مشكلة إدخالها إلى داخل فلسطين فهناك صعوبات كبيرة في إدخالها نظراً للحصار المشدَّد من قبل السلطات الصهيونية.
الديموقراطية الأمريكية لم تفهم ولم تعي أن فوز من فاز في الانتخابات يعني أن من حقه أن يمارس قناعاته في السلطة بمفرده أو بمشاركة الآخرين معه، ومن حقه أن يعمل على تطبيق برنامجه السياسي والانتخابي الذي اختاره الناس على أساسه ، ولا يجوز تحت إي مبرر أن تلجأ الأطراف الأخرى داخلية أو خارجية للسعي لحرمانه من هذا الحق ، وفي الوقت نفسه لا يجوز لدعاة الديمقراطية من أمريكان وأوروبيين معاقبة الشعب الفلسطيني على اختياره الإسلام.
لأجل هذا كله اختار الشعب الفلسطيني الوقوف معها والصمود في وجه هذه الضغوط ، ودعم حكومته، وإن السياسة الغربية الهوجاء إزاء الحكومة الفلسطينية لن تنجح على المدى البعيد, ولو تمكنت هذه الضغوط من إسقاط الحكومة، فهي لا تفعل سوى تعزيز قوتها وشعبيتها .
لقد أوضحت هذه الأزمة للشعب الفلسطيني مدى خيانة بعض قياداته السابقة التي رضيت بأن تجعل لقمة عيشه بيد أمريكا والغرب دون أن تسعى لخلق فرص استثمارية وموارد مالية تعود على أبناء الوطن.
إن المال الغربي الذي كان يُضَّخ في الساحة الفلسطينية لم يكن من باب الصدقات الجارية ، بل كان له ثمن ، وهذا الثمن هو الاعتراف بإسرائيل، ووقف المقاومة والاعتراف باتفاقيات أوسلو ، ويجب على الحكومة الجديدة أن تدفعه مقابل استمرار التمويل .
وعند التأمل نجد أن هذا المطلب غير واقعي وغير عادل وغير متوازن، فجماعة أوسلو من الفلسطينيين ظلوا متمسكين بالاتفاقيات، لكن إسرائيل مزقتها، بل إن تطويق عرفات ــ موقِّع أوسلو ــ ثم قتله تمَّت على يد وزراء جماعة أوسلو الإسرائيليين وبالأخص منهم شمعون بيريز.
هذه هي الديموقراطية الأمريكية ، وهذه هي القيم والمثل الغربية التي تدعو تجويع شعب كامل اتباعاً للمثل المعروف جوع كلبك يتبعك .
لكن الواقع والتاريخ والحقيقة تقول إن الفلسطينيين أسودٌ ينطبق عليهم المثل القائل : جوِّع الأسد يأكلك .
ولسان حال هؤلاء الأسود يقول : نقابل كل خطوة حصار بمزيد من الإصرار .
لقد اكتشف ذلك الشعب أن السلام مع إسرائيل أكذوبة كبرى ... فأقفال السجن جاهزة وتحت الطلب سجن غزة الكبير ، وسجن الضفة الغربية المقسمة على مناطق معزولة غير متصلة فضلاً عن الزنازين والمعتقلات في إسرائيل والتي تغص بالأسرى .
كم خدع أناس بهذا السلام حينمــا ظنوا أن سنغـافورة أخرى ستكون في فلسطين ، لكنهم رأوا الحصـار والجوع ، ورأوا رموزاً بلا سيــادة ومطار بلا سيادة وموانيء بلا سيادة واقتصاد تابع بلا سيـادة وبنوك وبورصة بلا حريـة.
الاقتصاد الفلسطيني و استثماراته مرهونــ بالمزاج الإسرائيلي ، وإغلاق المعابر هو الأســاس وفتحها هو الاستثنـاء ولم يحصد هذا الشعب إلا الخسارة الاقتصادية وفشـل التصدير الزراعي و فشل الاستيراد.
لقد اقتنع هذا الشعب بأن السلام تمثيلية كبيرة ، المخرج صهيوني والمنتج أمريكي أوروبي.
تشير بعض التقارير إلى أن مجالس الآباء في مدينة الخليل قدموا مبالغ للمدرسين مقابل أن يستمروا في تدريس الطلبة ، ومناطق أخرى فعلت نفس الشيء ، كما أشارت إلى أن رجل أعمال فلسطيني تبرع برواتب شهرين لجميع أبناء بلدته.
وقالت هذه التقارير إن المدرسين والموظفين يتوافدون لرئاسة الوزراء ليقولوا إننا صابرون .
وأن نساء فلسطينيات يأتين أيضاً ليتبرعن بحليهن ويقلن : إياكم أن تتنازلوا عن برنامج المقاومة.
نقاط قوة الحكومة الجديدة عديدة من بينها نظافة يد وزرائها ومسؤوليها، وتركيزهم طوال السنوات الماضية علي تلبية الحد الأدنى من احتياجات المواطن الفلسطيني الحياتية ، وعقارب الساعة لا يمكن أن تعود إلى الوراء مطلقاً فلن يقبل الشعب الفلسطيني بعودة أمراء الفساد إلى السلطة مرة أخرى، فقد عانى كثيراً من غرورهم وانتهازية الغالبية الساحقة منهم، والتطوع بتقديم التنازلات دون مقابل.
وزراء هذه الحكومة لن يسهروا في تل أبيب، ولن يتناولوا العشاء في مطاعم ناتانيا، ونساؤهم لن يتبضعن من شارع ديزنغوف الشهير، ولهذا حظوا بالدعم والمساندة، وحصلوا على أصوات الناس حتى أولئك الذين يختلفون معهم عقائدياً.
قام مركز أبحاث المستقبل بعمل استطلاع للرأي العام الفلسطيني في قطاع غزة حول توجهات أبناء المجتمع الفلسطيني تجاه الحكومة الجديدة والضغوط الخارجية.فتبين أن 84.6بالمائة من المستطلعة آراؤهم في قطاع غزة، يرفضون رضوخ الحكومة الجديدة للمطالب الأمريكية، الأوروبية والإسرائيلية.
وحول صمود الحكومة في وجه الحصار توقع 59.6بالمائة من أفراد العيِّنة صمود الحكومة على الوضع القائم، وهذا مؤشر على أن هناك ثقة كبيرة يوليها الشعب الفلسطيني لحكومته .
عباد الله : إن من شكر الله تعالى على نعمه علينا ، أن نمد يد العون إلى إخواننا في فلسطين . ففي الصحيحين عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". وفي رواية لمسلم:" المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله".
قال النووي رحمه الله تعالى: "هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد".
إن من حق المسلم على أخيه التأييد والإعانة حسب القدرة بالنفس والمال .
قال تعالى {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} . وقال { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من يوم يصبح العباد فيه ، إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعطِ منفقاً خلفاً ، ويقول الآخر : اللهم أعطِ ممسكاً".رواه الشيخان .
عن جرير بن عبد الله قال : جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة فأبطؤا عنه حتى رؤى ذلك في وجهه قال : ثم إن رجلاً من الأنصار جاء بصرة من ورق ثم جاء آخر ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء".
الصدقة تقي مصارع السوء وتدفع البلاء وتجلب الرزق وتفرح القلب ، وتوجب الثقة بالله وحسن الظن به ، وتزكي النفس ، وتحبب العبد إلى الله وإلى خلقه ، وتستر عليه كل عيب ، وتزيد في العمر . ويكفي في فضلها أن الجزاء من جنس العمل : فمن كسى مؤمناً كساه الله ، ومن أشبع جائعاً أشبعه الله ، ومن سقى ظمآناً سقاه الله، ومن نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة 0
ومن عجز عن دفع ما تيسر من المال فلا أقل من أن يجار إلى الله بالدعاء بأن يرفع عن المسلمين في فلسطين وفي كل مكان الكربة ويزيل عنهم الغمة .
فلنوطن أنفسنا الدعاء لإخواننا في كل وقت وحال ، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فقد انتصر للمسلمين وأيدهم بيده ولسانه وماله ودعائه .
عندما دخلت خزاعة في حلف النبي صلى الله عليه وسلم أغارت عليهم بنو بكر مع قريش، وقتلت منهم من قتلت، فخرج عمرو بن سالم الخزاعي وبديل بن ورقاء الخزاعي وقوم من خزاعة، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مستغيثين به فيما أصابهم به بنو بكر وقريش وأنشده عمرو بن سالم فقال:
يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعا وسجـدا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا نصرت إن لم أنصر بني كعب " ، وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ففتحها الله وذلك في سنة ثمان من الهجرة .
ونصر صلى الله عليه وسلم أصحابه بدعائه . أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت شهراً بعد الركوع يدعو على أحياء من بني سليم. قال: بعث سبعين من القراء إلى أناس من المشركين فعرض لهم هؤلاء فقتلوهم، وكان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فما رأيته وجد على أحد ما وجد عليهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق