الاثنين، 16 يونيو 2008

أقسام الناس في الأزمات

أقسام الناس في الأزمات

الشيخ د/ سعد بن عبد الله البريك
تمر الأمة بزمن عصيب ، الفتن العظمى تعصف بها من كل ناحية والمحن الكبرى تحيط بها من كل جانب ، يوقد أوار هذه وتلك كفرةٌ حاقدون ، ويُذكي جذوتَها منافقون متربّصون أججواّ النار فاشتدّت ضراوتها، واستشرى ضررها، وتفاقم خطرها، وعظم خطبها، والتبست كثير من الحقائق، واختلطت كثير من المفاهيم، واختلّت الموازين، فهلك من هلك وعُصم من عُصم وزلزل الناس ، وبات الحليم حيراناً والعاقل متلعثماً والشجاع متردداً .
ولا غرابة في ذلك فهذا شأن الفتن إذا نزلت ، وصفها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله: (تبدأ في مدارج خفية، وتؤول إلى فظاعة جلية، فتزيغ قلوب بعد استقامة، وتضلّ رجال بعد سلامة، وتختلف الأهواء عند هجومها، وتلتبس الآراء عند نجومها، من أشرف له قصمته، ومن سار فيها حطمته، تغيض فيها الحكمة، وتنطق فيها الظلمة، وتكْلِم منارَ الدين، وتنقض عقد اليقين، تهرب منها الأكياس، وتدبّرها الأرجاس، مرعادٌ مبراق، كاشفة عن ساق، تقطَّع فيها الأرحام، ويفارَق عليها الإسلام ) ثم وجّه رضي الله عنه بعد ذلك إلى اجتناب الفتن فقال : ( لا تكونوا أنصاب الفتن، وأعلام البدع، والزموا ما عُقد عليه حبل الجماعة، وبنيت عليه أركان الطاعة، واقدموا على الله مظلومين، ولا تقدموا عليه ظالمين، واتقوا مدارج الشيطان، ومهابط العدوان ) .
إن من أعظم ما ابتليت أمة الإسلام هو ما يحدث هذه الأيام من أحداث وتداعيات الغزو الصليبي الغاشم الحاقد على بلاد المسلمين ، وما سبَّبه محنٍ وكوارث طال بلاد الإسلام وأهلَ الإسلام منها عظيم الأضرار وبالغ الأخطار .وانقسم الناس ثلاثة أقسام :
قسم جعل الكذب بضاعته والتلون مهنته ، يتربص بالمؤمنين الدوائر وينتهز الفرص لاستغلال ما يجري . إنهم المنافقون المرجفون .
اندسوا في الصفوف فبثوا الأكاذيب واختلقوا الأباطيل، وأشاعوا الأراجيف لا يظهرون إلا ساعة البلاء والمحنة لشق صف المؤمنين وتوهين عزائم الصادقين وإحداث الخلل في الجماعة وتحريض الناس على نزع يد الطاعة .
يكيدون للمسلمين المكائد ويتربصون بهم الدوائر، لم يرتضوا الإسلام دينا ولا الكفر الصريح مبدأ، مذبذبين بين الكفار والمؤمنين غير أنهم يبغضون المؤمنين ويتولون الكافرين، يظهرون بوجهين، ويتكلمون بلسانين، ويمشون بين الفريقين كالشاة حائرة بين القطيعين، تميل إلى هذا القطيع تارة وإلى ذاك أخرى { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} ، { وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون } .
اتصفوا بحسن الظاهر، فإن رؤوا أعجبوا وإن قالوا أحسنوا، إلا أن بواطنهم أخمرت كفراً وامتلأت على الإسلام والمسلمين غلا وحقداً، استبدلوا الضلالة بالهدى والبصيرة بالعمى، والكفر بالإيمان والحياة الدنيا بالآخرة، فبئس ما يصنعون.
إنهم المنافقون ، ذلك مسلكهم وديدنهم، فضحهم القرآن من فوق سبع سماوات ، ولا زالت شواهد التاريخ تحكي فسادهم وخطرهم في إثارة الفتن والخصومات وخيانة الأمة في أحرج الأوقات بدءاً من زعيمهم عبد الله بن سبأ الذي أثار الناس وحرَّضهم على قتل عثمان رضي الله عنه مروراً بدعاة الدولة العبيدية الباطنية والدروز والقرامطة كابن العلقمي ومحمد بن نصير الطوسي ولا زال سجلهم يحفل بالخيانة والغدر .
يقوا ابن القيم رحمه الله : ( إن بلية الإسلام بهؤلاء شديدة، لأنهم منسوبون إليه وهم أعداؤه على الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب، حتى ليظن الجاهل أنهم على علم وإصلاح، فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصنٍ قد قلعوا أساسه وخربوه، وكم من علم طمسوه، وكم من لواء مرفوع قد وضعوه، وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول رأسه ليقلعوها، استعان بهم الشيطان على الفتن والتحريش في تاريخ الإسلام العريض، وما كثر القتل وتعددت الأهواء، وانتشرت المذاهب الباطلة، والسبل الضالة، إلا بما وضعوه من التفسيرات المنحرفة والتأويلات المتعسفة، وما عبثوا به من المصطلحات وزيفوا من المبادئ، وفي أخبار الزنادقة ومن لف لفهم ممن يظهر الإسلام ويبطن الكفر ما يدل على عظيم البلاء وخطر الابتلاء، فلا يزال الإسلام وأهله في محنة وبلية، ما أكثرهم وهم الأقلون، وما أجبرهم وهم الأذلون، وما أجهلهم وهم المتعلمون { وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ } فالله وحده المستعان على ما يصفون وعليه التكلان فيما يجترؤون . أ . هـ .
وقسم من الناس استشرف للفتن واستمرأها رويداً رويداً إلى أن ولغ في حمئها وألفها فلا يكاد يتحول عنها ظاناً أنها الحق ، ولكن الحق أنه وقع في أتونها وطحنته رحاها .
لقد حذَّر النبي رضي الله عنه من الوقوع في الفتن أو التعرض لها . ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه ". قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : ( معنى قوله " من تشرف لها " أي تطلع لها بأن يتصدى ويتعرض لها، ولا يعرض عنها.وفي الصحيحين أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج " قالوا: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال:"القتل القتل".
وما أوقع هؤلاء في الفتنة إلا حماسهم وعاطفتهم اتجاه ما يحدث لإخوانهم المسلمين في العراق وأعلنوا استعدادهم للقتال إلى جانب قوات البعث الكافر ، وما دروا أنهم بفعلهم هذا وضعوا أنفسهم بين فكي كماشة وقطبي رحى ، فلو انتصرت قوات صدام لصاروا تحت ظلمها ، ودم المسلمين لم يجف بعد في العراق من جرائم صدام وبطشه ، ولو انتصرت القوات الأمريكية لصاروا رهن حقدها وكيدها .
إليك فإني لست ممن إذا اتقى سم الأفاعي نام فوق العقارب
من الثوابت المعلومة أن بغضنا لصدام وحزبه البعثي الكافر وظلمه السافر، لا يجيز لنا بحال من الأحوال تبرير موقف أمريكا تجاه العراق فضلا عن تأييدها أو الوقوف معها .وعداوتنا وبغضنا لأمريكا لا يلزم منه حبنا لصدام أو التعاطف معه ومع حزبه، فأمريكا صليبية نصرانية عداوتها ركن أصيل من صلب عقيدتنا قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل } وقال { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } فكما أننا نتقرب إلى الله ببغض أمريكا فإننا نتقرب إلى الله ببغض صدام وحزبه والبراءة منه حتى يعودوا إلى دينهم { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءؤا مما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بينا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده }.
إن أي خلل في بغض هؤلاء أو عداوة أولئك خلل في عقيدة المسلم وولائه وحبه لله ولدينه ولرسوله صلى الله عليه وسلم وذلك أن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حرب الله هم المفلحون }.إن فقه هذه العقيدة والالتزام بها جزء من موقف المسلم تجاه تلك المعركة الطويلة ومنطلق أصيل لفهم مجرياتها وأبعادها وآثارها، وما يجب على المسلم تجاهها، دون إفراط أو تفريط ودون غلو أو جفاء.
فالواجب هو الوقوف مع إخواننا في العراق ، لا مع النظام، فوقوفنا معهم واجب شرعي وحق أخوي . قال صلى الله عليه وسلم :" انصر أخاك ظالما أو مظلوماً ". والوقوف معهم له صور وأشكال متعددة كل حسب استطاعته وطاقته، ولنحذر من السلبية القاتلة والوقوف في صف المتفرجين، فإن من أعظم الظلم خذلان المسلم لأخيه المسلم، قال صلى الله عليه وسلم :" ما من امرئ يخذل امرءاً مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته ". و"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ".
والقسم الثالث : قسم العقلاء ، أهل البصيرة والحكمة والروية الذين التفوا حول ولاة الأمر من حكام وعلماء ولزموا جماعة المسلمين : قال تعالى { وَإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولىِ الأَمْرِمِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً } .
قال حذيفة رضي الله عنه : كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير كنت أسأله عن الشر مخافة أن يد ركني، فقلت: يا رسول الله إنَّا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه قال قوم يهدون بغير هدى تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك هذا الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا،قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم".
وروى الترمذي عن ابن عمرو مرفوعاً: : عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوبة الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن " .
إن اتباع أقوال أهل العلم ، المشهود لهم بالورع والتقوى ، ورسوخِ القدم في العلم ، والصدعِ بالحق ، والدعوةِ إلى السنة مما يعصم بإذن الله من الفتن وينجي في الأزمات . فإنّ علماء الشرع هم أسعد الناس وأولى الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم أهل ميراثه كما في الحديث الصحيح:" وإن العلماءَ ورثةُ الأنبياء فإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورَّثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر ".
وقال صلى الله عليه وسلم :" كانت بنوا إسرائيل تسوسهم الأنبياء ، كلما هلك نبي خلفه نبي ، ولا نبي بعدي ". وقد جعل الله سياسة هذه الأمة في العلماء ، وقد مرت أحداثٌ قديماً وحديثاً كان أهل العلم الراسخين هم ساسة الأمة ، وهم أجدر بالقول في النوازل والحُكْمِ فيها. قال علي بن المديني رحمه الله:" أعز الله الدين بالصديق يوم الردة وبأحمد يوم المحنة ".
وقال ابن تيمية: "سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله وهو عبادة الله وحده لا شريك له كما أمر به ظاهراً وباطناً.وسبب الفرقة: ترك حظ مما أمر العبد به والبغي بينهم. ونتيجة الجماعة: رحمة الله ورضوانه وصلواته، وسعادة الدنيا والآخرة وبياض الوجوه.ونتيجة الفرقة: عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول منهم.
عندما كان الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الحج مع عثمان رضي الله عنه ، وكان عثمان يتم الصلاة في منى وكان ابن مسعود يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في منى ركعتين. فقيل له: تقول هذا وأنت تصلي مع عثمان أربع ركعات ؟ فقال: يا هذا الخلاف شر".
وعن بشير بن عمرو قال: شيَّعنا ابن مسعود رضي الله عنه حين خرج، فنزل في طريق القادسية فدخل بستاناً فقضى حاجته ثم تؤضأ ومسح على جوربيه ثم خرج وإن لحيته ليقطر منها الماء فقلنا له: اعهد إلينا فإن الناس قد وقعوا في الفتن ولا ندري هل نلقاك أم لا، قال: اتقوا الله وأصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر وعليكم بالجماعة فإن الله لا يجمع أمة محمد على ضلالة.قال الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة "وقال : " الجماعة رحمة والفرقة عذاب"
فما أحوج الأمة في هذا الوقت إلى أن تـتحد وتتآلف لتحل مشكلاتها وتنظر في أسباب ويلاتها ونكباتها ، بالرجوع إلى أهل العلم الثقات ، والالتفاف حول الولاة ، والنهوض بالمسؤوليات والواجبات، بصدق لا يشوبه كذب، وإخلاص لا يخالطه رياء، وتجرّد لا يتخلله هوى، وتوحيد لا يكدّره شرك ، وثقة بالله جل في علاه لا تهزها أراجيف المرجفين، ولا تخذيل المخذّلين، حتى لا تواقع الأمر المحظور، أو تقترف الخطأ المحذور {وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِين} .
إن لزوم جماعة المسلمين ورص الصفوف من الداخل واجب شرعي ومطلب ملح وضرورة استراتيجية لمواجهة الأخطار المحدقة . ولا يتأتى ذلك إلا بالاعتصام بالوحي المعصوم وطاعة ولاة الأمر من علماء وحكام وإعانتهم وشد أزرهم ففي هذا مصلحة الدين والدنيا، وضده يجلب فساد الدين والدنيا.
فولي الأمر جُنَّة وستر وحجاب ونعمة على المجتمع يقودهم للجهاد في سبيل الله ويدافع عن الأعراض والأموال، ويولي من هو أهل للولاية على مصالح الناس ويقمع من يقطع الطريق ويتعرض للمسلمين ويأخذ أموالهم أو يقتلهم أو ينتهك أعراضهم، ويضرب على يد من يريد الإخلال بالأمن.فلهذه المصالح وغيرها قال العلماء: تجب طاعة الأمير ولو كان فاسقًا بنفسه، فإن صلى بالناس إماماً وجب أن يصلوا معه.
إن الانقسام والتمرد عصيان لله ورسوله مفاسده أكثر من مصالحه يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ( لا يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا كان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته ). (منهاج السنة 3 / 391 ) . وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : ( ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة ) أخرجه ابن جرير والآجري والحاكم . وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ( قَضْمُ الملح في الجماعة أحب إليَّ من أن آكل الفالوذج في الفرقة). أخرجه البيهقي . والفالوذج نوع من الحلوى .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين ، تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين ، فإن الله تعالى يقول { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم}ويقول { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا } ويقول {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم }. وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف ، وأهل هذا الأصل هم أهل السنة والجماعة ، كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة ) . ( مجموع الفتاوى 28 / 51 )
وإن من أشد ما ينبغي في الأزمات مناصحة ولاة الأمر والتواصل معهم بالمشورة والرأي قال صلى الله عليه وسلم :" الدين النصيحة " ، قالوا لمن يا رسول الله ؟ قال :" لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".
إن ما ميَّز أهل السنة والجماعة عن أهل البدعة والفرقة : أنهم ينصحون لمن ولاَّه الله أمرهم ويكثرون الدعاء له ، حتى ولو رأوا ما يكرهون ، فإنهم يكثرون الدعاء وينصحون نصح من لا يريد جزاء ولا شكوراً ، إلا ابتغاء مرضاة الله تعالى .
يقول الإمام البربهاري رحمه الله : إذا رأيت الرجل يدعو للسلطان فاعلم أنه صاحب سنة ، وإذا رأيته يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب بدعة أ. هــ.
وكان الإمام أحمد يقول : لو كان لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان.
وكان الفضيل بن عياض رحمه الله كثيراً ما يدعو للسلطان ، فقيل له: إنك تدعو للسلطان أكثر من دعائك لنفسك ، فقال : نعم ، لأنني إن صلحت فصلاحي لنفسي ولمن حولي ، وأما صلاح السلطان فهو لعامة المسلمين .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق