الحرب الإعلامية
الشيخ د/ سعد بن عبد الله البريك
مِن سنن الله تعالى التي لا تتغير ولا تتبدل : قيام الصراع بين الحق والباطل { وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }
ولقد تعرض الإسلام عبر تاريخه الطويل إلى حروب دامية وهجمات شرسة ، { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور }.
حيكت ضده مؤامرات ودُبرت مكائد تكاد تنشق منها الأرض وتخر الجبال هداً وسال من الدماء الزكية الطاهرة ما لو مزج بماء البحر مزجه ولأحال زرقته احمراراً .
وسيبقى الصراع مع الكفر وجنده قائماً ما قامت السماوات والأرض ، لا تهدأ معاركه ولا تخبو جذوته ولا تنتهي حوادثه ، لكن مهما بلغت قوة الباطل وصولته ومهما قويت دولته وعظمت كثرته ، فحسب دعاة الحق أنهم يستمدون قوتهم من عون الله ومدده وينتصرون بنصر الله وتوفيقه {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }.
بينما ينصُرُ أهل الباطل باطلهم بالكذب والخداع وتزييف الحقائق وتعمية العيون ، { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }.
سخروا في سبيل باطلهم كل ما أوتوا من طرق وما أتيح لهم من سبل ومن أشدها خطراً وأعظمها تأثيراً وسائل الإعلام . لقد أصبحت حرب الكلمة أشد فتكاً من المدافع الثقيلة والصواريخ العابرة والقنابل الطنية وأصبحت من أهم وسائل إدارة الصراع بين أهل الإسلام وأهل الكفر وتأجيج ناره في هذا الزمان .
حيث باتت تلعب دوراً كبيراً في تغيير القناعات ...
وصياغة الأفكار ...
والتأثير في سياسات الدول لما فيه ضرر على الإسلام والمسلمين.
بل وتوجيه الاستراتيجيات والمخططات للقضاء على كل ما يمتُّ إلى الإسلام بصلة ...
إنَّّ الإعلام الغربي عجوز مخضرم سـبـر الـشـعـوب وحاول أن يجعل منها أبواقاً ناعقة تردد كل ما يمليه عليها .
واستطاع اللوبي اليهودي أن يسيطر عليه وأن يهيمن على أكبر الشبكات الإخبارية والقنوات الفضائية ، غير مستخف في إظهار ولائه لليهود والمنظمات الصهيونية.كما أنّ هــــذه الشبكات وجلّ القنوات الفضائية مخترقة من وكالات الاستخبارات الغربية، ومن ثم فهي تتحرك وفق استراتيجية استخبارية مدروسة.
وبناء على هاتين الخلفيتين العـَقَـدية والسياسية فإنّ النزاهة والدقة والحيادية التي تزعم الوكالات الإخبارية التقيد بهــــا ومراعاتها تتلاشى تماماً حينما يكون التحقيق الإخباري متعلقاً بالشعوب الإسلامية ، حيث تنـدفــع الـكـلـمـات الاستفزازية المتشنجة مسيطرة على تحليل المواقف السياسية ...
فالشعوب الإسلامية في عرف الغرب شعوبٌ لا تستحق البقاء وليس لها حق العيش كريمةً وليس لها الحق في خياراتها أسوة بغيرها من الشـعــــوب ...
والدعوة الإسلامية دعوة متزمتة ظلامية أصولية لا تحيا إلا بالدم والتدمير والإرهـــــاب، فيجب مقاومتها ووأدها وكبتها...
أما الأنظمة الدكتاتورية القمعية فهي أنظمة وديـعــــــة مناضلة متحضرة محبة للسلام .
لقد أصبح الإعلام الغربي والأمريكي على الخصوص بإمكاناته الضخمة أداة رئيسة في صنع وتشكيل الرأي العام المحلي والـعـالـمــي، وبسبب نجاح اليهود والأصولية النصرانية في توظيفه والهيمنة عليه فقد أصبح إعلاماً عنصرياً استعمارياً وإنْ زعم الدقة والحيادية، ومواقفه من أحداث العالم الإسلامي: كالبوسنة وفلسطين والشيشان وكشمير وبورما والفلبين أكبر شاهد على ذلك.
عقب سقوط الماركسية والدول التي دارت في فلكها سيطرت فكرة التـهـديد الإسلامي على عقول الساسة والإعلاميين الغربيين، حتى أصبحت قاعدة رئيسة تنطلــق منها التعليقات الإخبارية والقرارات الدولية .
ولذلك عقد بعض قادتهم قبل حوالي ( 8 ) سنوات ندوة بعنوان: ( الإسلام المنبعث من الشرق الأوسط ) شارك فيها بعض السياسيين والكتاب والصحفيين ، وتمخض هذا الإجتماع عن مزيد من البغض والكراهية حيث قرر : ( إنّه لا يوجــــد أصولي يريد أن يعيش بهدوء، إن الأصوليين يصرون على نقطتين : تطبيق الشريعة الإسلامية في كل البلاد الإسلامية ، وتوسيع حكم المسلمين ، وكلا الهدفين يحتويان على كفاح عدواني مـتـأصـــل، وهم قد يظهرون نوعاً من المرونة، ولكنهم لا يتركون هذين الهدفين ).هـ .
الحرب الإعلامية في تشويه حقائق الصراع :
لقد بات لهذا الإعــلام تأثير كبير على كثير من القيادات السياسية في العالم وبلغ من شأنه أنَّ الأمـيـــن العام السابق للأمم المتحدة قال (إنَّ وكالات الأنباء التلفزيونية - هي العضو رقم (6) في مجلس الأمن) .
ففي أمريكا مثلاً : تشير الإحصاءات إلى أن المواطن الأمريكي يتابع ما يحدث في بلده وفي باقي أنحاء العالم من خلال نشرات الأخبار التلفزيونية التي تشكل أهم مصدر إخباري لنسبة ساحقة من الشعب الأمريكي.
وبسبب سيطرة اليهود الكاملة على الإعلام الأمريكي ، فقد اعتمد سياسة تشويه الحقائق وقلْب المفاهيم وإلصاق التهم بالمسلمين جزافاً وتسويق وترويج كل ما يخدم أهداف اليهود والغرب ومن يدور في فلكهم .
فهناك أربع شبكات تلفزيونية تشكل في مجموعها أكثر من 95% من الأخبار المحلية والعالمية التي تجمع وتصور وتبث للمواطن الأمريكي. وهذه الشبكات هي: سي. إن. إن (CNN) وتملكها شركة تايم - وارنر التي يرأسها جيرالد ليفين (يهودي)، وشبكة إي. بي. سي (ABC) وتملكها شركة والت ديزني التي يرأسها مايكل إيزنار (يهودي)، وشبكة سي. بي. إس. (CBS) وتملكها شركة وستنجهاوس ويرأس الشبكة إيريك وابر (يهودي)، وشبكة إن. بي. سي. (NBC) وتملكها جنرال إليكتريك ويرأس قطاع الأخبار فيها أندرو لاك (يهودي).
وهذا يعني أن 100% من القرار الخاص بالأخبار يبث من أكبر أربع شبكات تلفزيونية أمريكية تتحكم في 95% من الأخبار في أمريكا، وتشكل مصدراً رئيساً للأخبار التي يتلقاها 85% من الشعب الأمريكي هي لليهود.
أما الصحافة اليومية فقد نجح اليهود في السيطرة عليها بل وامتلاك ثلاثي القمة في الصحف الأمريكية .
وهذه الصحف هي: (نيويورك تايمز) التي تعتبر الصحيفة الموجهة لنبض المجتمع الأمريكي والمعبرة عن ثقافته، ويتولى رئاستها ويشغل منصب الناشر لها في الوقت الحالي أرثر أوكس سالزبرج (يهودي).
وإضافة إلى هذه الصحيفة اليومية الهامة، فإن مؤسسة نيويورك تايمز تمتلك أيضاً 36 صحيفة يومية أخرى و12 مجلة هامة، و3 شركات لطباعة الكتب، وتتولى نيويورك تايمز تزويد ما يزيد عن 500 صحيفة يومية بالأخبار.
والصحيفة الثانية هي (واشنطن بوست) وهي الجريدة السياسية الأولى في أمريكا، ويقرؤها معظم صانعي القرار ابتداءً من البيت الأبيض، وحتى ممثلي الولايات في الكونجرس الأمريكي. وقد اشترى إيجين ماير (وهو يهودي) هذه الصحيفة عام 1933 ولا تزال مملوكة لعائلته، وتملك الحصة الكبرى فيها إحدى حفيداته وهي كاثرين ماير (يهودية أيضاً ).
والصحيفة الثالثة هي (وول ستريت جورنال) وهي صحيفة المال والتجارة، والتي يقرؤها السياسيون ورؤساء الشركات والمستثمرون وأصحاب الأموال في أمريكا وكثير من بقاع العالم، وتعتبر أكثر الصحف الأمريكية انتشاراً؛ حيث يطبع منها ما يزيد على 2.1 مليون نسخة يومياً فهي مملوكة لشركة داو جونز التي يرأسها بيتر كان (يهودي). وتصدر المؤسسة 24 صحيفة يومية وأسبوعية أخرى.
أما المجلات الأسبوعية فنجد أن أهمها على الساحة السياسية مملوك تماماً لليهود. وهذه المجلات هي: مجلة التايم (4.1 مليون نسخة أسبوعياً) وتملكها تايم وارنر التي يرأسها جيرالد ليفين (يهودي)، ومجلة نيوزويك (2.3 مليون نسخة) وهي مملوكة للواشنطن بوست التي ترأسها كاثرين ماير (يهودية) وأخيراً مجلة يو إس نيوز (2.3 مليون نسخة) ويملك أغلب أسهمها ويرأسها مارتينمر زوكرمان (يهودي).
ولذلك فليس من المستغرب أن نشاهد هذا التواطؤ الإعلامي على تشويه حقائق الصراع في كل مناطق العالم الإسلامي، وطرحها بصورة تخدم التوجهات اليهودية.
ولم يقتصر الأمر على المسلمين بل إن حرص اليهود على تزوير الحقائق طاول حلفاءهم الأمريكان الذين جلبوا على أنفسهم لعنات وكره الملايين من المسلمين بسبب دعمهم اللامحدود للدولة الصهيونية العنصرية في فلسطين ، ولكن اليهود لم يحفظوا لهم هذا الجميل بل قلبوا لهم ظهر المجن حيث أخفوا وطمسوا بعض الوقائع التاريخية الأمريكية التي لا تخدم مصالحهم.
فرغم كثرة استشهاد وسائل الإعلام في المناسبات القومية وغيرها بأقوال مؤسسي الولايات المتحدة، وتقديمها للشعب الأمريكي على أنها من الحِكَمِ والمآثر للأجداد الذين قامت على أكتافهم الحضارة والتفوق الأمريكي، إلا أننا نجد تعتيماً تاماً لمواقف هؤلاء الزعماء من الوجود اليهودي في القارة.
ففي أحد خطابات الرئيس الأمريكي السابق (بنجامين فرانكلين) قبل أكثر من ( 220 ) عاماً الذي حذَّر فيه أول مجلس تأسيسي للولايات المتحدة من خطر اليهود قائلا ً: (لا تظنوا أن أمريكا قد نجت من الأخطار لمجرد أنها نالت استقلالها، فهي ما زالت مهددة بخطر جسيم وهو تكاثر اليهود في بلادنا ، إن هؤلاء اليهود هم أبالسة وخفافيش ليل ، اطردوا هذه الفئة الفاجرة من بلادنا قبل فوات الأوان ، ويتابع : ثقوا أنكم إذا لم تتخذوا هذا القرار فوراً، فإن الأجيال القادمة ستلاحقكم بلعناتها وهي تئن تحت أقدام اليهود).
ويزول العجب من قدرة اليهود على إخفاء الحقائق إذا علمنا أن اليهود يسيطرون على مجلس الشيوخ الأمريكي :
نقل ( ديفيد دوك ) العضو السابق في مجلس نواب ولاية أريزونا ، عن الرئيس السابق للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي ( ويليام فولبرايت ) قوله : إن إسرائيل تسيطر على مجلس الشيوخ الأمريكي .ثم عقَّب (دوك ) بقوله : ليس فقط فولبرايت من أكد هذه الحقيقة بل العديد من الشخصيات السياسية الهامة والمؤثرة على القرار السياسي الأمريكي يؤكدون ذلك أيضاً منهم ( جورج براون ) الرئيس السابق لرابطة رؤساء الأركان حيث صرح : إن اليهود يسيطرون على البنوك والإعلام في هذا البلد .
وسائل التشويه
1 ـ إخفاء الحقائق:
إن عدم الحيدة تظهر بشكل واضح عندما يتعلق الأمر بالإسلام والمسلمين ، فلا يتم الإعلان عن الجرائم التي ترتكب يومياً في فلسطين على يد الجيش الصهيوني والمتطرفين اليهود، من قتل للأبرياء وإزهاق للأرواح وتيتيم الأطفال وتثكيل الأرامل والإغتيالات ومصادرة الأراضي وهدم للمنازل ، ولم يكتفوا بالهدم والتشريد بل لاحقوا المشردين إلى خيامهم التي آووا إليها فقتلوا في خيمة واحدة أربعة أطفال بعدما أحرقوها فوق رؤوسهم ولا تزال سلسلة المآسي مستمرة ...
كل هذه الجرائم والفظائع في نظر الإعلام حقٌ لليهود في الدفاع عن النفس .
أما عمليات الدفاع المشروعة عن النفس والعرض التي يقوم بها الفلسطينيون فهي أعمال تخريبية إرهابية يجب إيقافها وملاحقة مرتكبيها .
كما استخدمت في هذه الحرب الإعلامية الأفلام السينمائية التي تنتجها سدوم العصر هوليوود والتي تلعب هي أيضاً دور كبير في التأثير على قناعات عامة الشعوب الغربية.
فمن هذه الأفلام : فيلم تظهر فيه العجوز اليهودية الشمطاء ( جولدا مائير ) في صورة المرأة الرحيمة ، فعندما تسألها طفلة أمريكية: (متى يتحقق السلام بينكم وبين العرب؟) تـرد الممثلة التي تؤدي دورها في إنسانية ورحمة: (عندما يفوق حب العرب لأولادهم على بغضهم لليهود سيتحقـق السلام بيننا).
وفي المقابل يظهر العربي المسلم في معظم الأفلام الأمريكية الحديثة بصورة الغوغائي الدموي الحاقد على الغرب ، والذي لا يعرف للإنسانية أو الرحمة معنى.
وفي أحد البرامج التي تنتجها مؤسسة (والت ديزني) التي يمتلكها اليهود: قصة علاء الدين الذي يظهر فيها كشخصية عربية تتحول تدريجياً إلى النمط الغربي وتحظى بحب كل من يتعامل معها ، في مقابل شخصية عربية أخرى هي (جعفر) تمثل جانب الشر وتبقى محتفظة بالمظهر العربي، وكذلك بكراهية كل من يتعامل معها.
ولا يخفى الأثر النفسي لمثل هذا الفيلم على قناعات الأطفال الذين يشاهدونه ؛ خاصة أن الفيلم تجاوزت مبيعاته 10 ملايين نسخة.
وقد تنبهت الكثير من المؤسسات الصحفية المحايدة منذ زمن طويل إلى السيطرة الرهيبة لليهود على صناعة الأفلام الغربية، فذكرت مجلة نصرانية تسمى: (الأخبار المسيحية الحرة) قبل عشرات السنين تحذيراً من هذه الظاهرة قائلة: (إن صناعة السينما في أمريكا يهودية بأكملها، ويتحكم اليهود فيها دون منازعة، ويطردون كل من لا ينتمي إليها، وجميع العاملين فيها هم إما من اليهود، أو من صنائعهم، ولقد أصبحت هوليوود بسببهم (سدوم) العصر الحديث، حيث تنحر الفضيلة، وتنشر الرذيلة، وتسترخص الأعراض ، أوقفوا هذه الصناعة المجرمة؛ لأنها أضحت أعظم سلاح يمتلكه اليهود لنشر دعايتهم المضللة المفسدة ).
2 ــ السخرية والتهكم:
بثت إحدى القنوات التلفزيونية الأمريكية إعلاناً عن أحد أنواع المنظفات الذي يبدأ بصوت المعلن قائلاً: (إن هذا الصابون ينظف أي شيء.. حتى العربي) ثم يظهر شخص في زي عربي متسخ وتحاول إحدى الفتيات تنظيفه بالمنظف الجديد وينتهي الإعلان بقول الفـتاة: (لقد بذلنا كل ما في وسعنا) ويظهر المعلن مرة أخرى ليقول: إن تقارير المختبرات أثبتت أن عدم نظافة العربي لا ترجع إلى عدم وجود المنظفات، ولكن (لأن العربي لا يمكن أن يصبح نظيفاً أبداً) وفي إعلان آخر عن وسيلة لحماية النساء من المعتدين تسير فتاة باطمئنان ثم يفاجئها رجل يرتدي الزي العربي ليهجم عليها بخنجر في يديه، فتستخدم الفـتاة مادة مخدرة ترشها في وجهه ليسقط مغشياً عليه، ولا تنسى الفـتاة قبل أن تمضي أن تبصق عليه.
3 ــ تعميق الإحساس بالكراهية:
لقد أجاد الإعلام الغربي في تعميق إحساس الكراهية لدى الشعوب الغربية تجاه الإسلام والمسلمين على مدى العشرين سنة الماضية، وكان لأحداثٍ مثل المظاهرات التي أعقبت صدور كتاب: (آيات شيطانية) وعمت أنحاء أوروبا أثر كبير في استغلال صور انفعال المسلمين ، لما في هذا الكتاب من إهانة للنبي e وزوجاته والصحابة وتصوير المسلمين أنهم جهلاء ولا يتمتعون بروح السماحة والنقاش الحر، وهي أمور يعتبرها الغربي من المسلّمات والبدهيات خاصة في المجتمعات الغربية التي غُيِّبَ فيها الدين بصورة تامة عن الحياة اليومية للشعوب، وشاهد المتفرجون على شاشات التلفزيون الفرنسي صورة المظاهرة التي قام بها 500 شاب مسلم في باريس مطالبين بالاقتصاص من كاتب ذلك الكتاب، وأعيدت المشاهد الانفعالية لهذه المظاهرة مرات عديدة خلال الأيام التالية، وعبرت عن ذلك جريدة النيويورك تايمز قائلة: (لقد ظهر هؤلاء المتظاهرون فجأة في المجتمع كطابور خامس للتطرف الإسلامي في فرنسا التي كانت تحتفل بمرور القرن الثاني على ثورتها ضد الدين) وخرجت إحدى المذيعات في ذلك الوقت لتقول: (إن الإسلام دين قائم على عدم التسامح.
هذه هي سياسة الإعلام : إلصاق التهم والعنصرية في التعامل لتشويه صورة الإسلام وصد الناس عنه وتنفيرهم منه {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}
يقول أحد مفكري الغرب : لقد تجمعت العقد الموروثة : عقد التعصب التي ندين بها ضد الإسلام ورجاله وتراكمت خلال قرون سحيقة حتى أصبحت ضمن تركيبنا العضوي .
ويقول المستشرق النمساوي الذي اعتنق الإسلام واسمه محمد أسد : قد لا تقبل أوروبا تعاليم الفلسفة الهندوكية أو البوذية ولكنها تحتفظ دائماً فيما يتعلق بهذين المذهبين بموقف عقلي متزن ومبني على التفكير ، إلا أنها عندما تتجه إلى الإسلام يختل التوازن ويأخذ الميل العاطفي في التسرب .
لقد أصبح العالم الإسلامي الآن جبهة الصراع الوحيدة بعد انتهاء الحرب الباردة لأن المسلمين يطرحون تحدياً أساسياً يتمثل في قوة اجتماعية وسياسية متنامية تنقض وتعارض كثيراً من المفاهيم الغربية عن علاقة الله بالبشر وعن الواقعية وعن طبيعة التقدم وعن دور التقنية والعصرنة وعن دور المبادئ الأخلاقية في حياة الإنسان .
يقول أحد زعماء اليهود : إن الإسلام هو العدو الذي نخشاه ونحترمه في آنٍ معاً وخطتنا الدعائية هي إظهار وحشية المسلمين .
وقد نجحوا في هدفهم هذا إلى حد بعيد .
فعندما وقع انفجار أوكلاهوما والذي نفذه أعضاء من اليمين الأمريكي تعالت الأصوات بأن الإسلاميين هم وراء الحادث والمسؤولون عن قتل الأبرياء وإسالة الدماء .
كماأفلحوا في استثمار الأحداث الأخيرة في الولايات المتحدة حيث بدأوا منذ الساعات الأولى بتوجيه أصابع الاتهام نحو الإسلام والمسلمين ، والتحريض على القتل والعنف ضدهم وطردهم ليعودوا من حيث أتوا .
قامت وسائل الإعلام الأمريكية الصهيونية بعرض مشاهد لمجموعة من الفلسطينيين وهم يحتفلون فرحاً بالهجوم على مركز التجارة بغرض تهييج الرأي العام الأمريكي ضد الفلسطينيين والعرب ، وقد أكدت مصادر مطلعة أن هذه الاحتفالات جرت إبان الاحتلال العراقي للكويت ولا تمتُّ لأحداث الحادي عشر من سبتمبر بصلة .
وكتبت إحدى الصحف المحلية الأمريكية مقالاً تتهم فيه المسلمين جاء فيه : إنها الحرب ، فلنغزهم في بلدانهم ، ليس هذا أوان ترف البحث عن أماكن المتورطين بالعمليات الإرهابية ، المسؤولون عن هذه العمليات هم كل من ارتسمت على وجهه ابتسامة عندما سمع بالعمليات ، وأضافت : أمتنا غزتها طائفة متطرفة مجرمة ، علينا غزوهم في بلادهم وقتل قادتهم وإجبارهم على التحول إلى المسيحية.
وقد استجابت طبقات كبيرة من الشعوب الغربية في مختلف أنحاء أمريكا وأوربا لهذه الدعوات ، حيث تعرض المسلمون هناك لأنواع عديدة من المضايقات والإيذاء وصلت إلى حد القتل .
فقد قام مجهولون بقتل سائق تاكسي في سيارته لأنه مسلم ، وأقدم رجلان على ضرب فتاة محجبة في التاسعة عشرة من عمرها على رأسها ، وتعرض المركز الإسلامي بولاية تكساس الشمالية لست طلقات نارية ، كما تعرضت العديد من المساجد لعمليات تخريب، ورسم على جدران بعضها صلباناً معقوفة وكتب عليها عبارات عنصرية مثل : عودوا إلى بلادكم أيها الزنوج .
وتلقى كثير من أئمة المساجد وأعضاء المجالس الإسلامية في عدد من المدن مكالمات تهديد بالقتل ، وتعرض باص لنقل طلاب المدارس إلى رشق بالحجارة في كندا .
يقول أحد أئمة المساجد أن حرصه على ارتداء العمامة عرض سيارته للرجم بالحجارة وإلقاء القمامة عليها .
وتلقى المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا رسائل بتفجير المركز ، وتعرضت كثير من المحجبات هناك للسباب والشئائم والمضايقات .
وبعد أن نجح اليهود والغرب في تشويه صورة هذا الدين الحنيف وتنفير الناس منه وإظهار المسلمين بمظهر الوحشية والمعاداة للمدنية والحضارة والتقدم .
بل وجهوا سهام إعلامهم المسمومة إلى عقر دار المسلمين لتغريبهم وتذويب هويتهم وطمس ثقافتهم .
وكان لهذا الغزو الإعلامي الوحشي والضاري أكبر الأثر على عقول شبابنا وأفئدة أطفالنا وشخصية نسائنا وتفكير كهولنا وشيوخنا ممن جعلوا أنفسهم كالإسفنجة التي تمتص وتشرب كل ما يلقى إليها ، وسمحوا للدخلاء من القنوات والفضائيات والانترنت أن يدخلوا بيوتهم وأن يربوا أبناءهم وبناتهم على النمط الأمريكي والنموذج الأوروبي .
فأصبحنا نرى فئاماً كبيرةً من شباب المسلمين يعيشون بلا ضوابط ، وحياتهم بلا أهداف طموحة ولا معاني سامية .
ونـشأت أجـيال مـشـوهة الأفكار ، مركوسة الفطرة ، تتبع الشهوات وتغوص في المنكرات وتجعل من الفنانين والرياضيين قدوة تحاكيها في كل شيء ، حفِظوا أسماءهم وأسماء آبائهم عن ظهر قلب ، في حين لا يـعـرفون من هم الخلفاء الراشدون الأربعة .
لقد أصبح هذا الغزو إيدز العصر وأخطر التحديات التي تواجه الأمة المسلمة ، إذ لم يقتصر أثره على الاختراق السياســي وتشويه الحقائق وإلصاق التهم بل امتد إلى اختراق عقول الأمة وتشكيكها في دينها .
لقد بدأت بعض الدول الكافرة تحذَر من الغزو الإعلامي والبث الفضائي وتعمل على تجنب آثاره ومضاره ، فعلى الرغم مـن اتـجـــاه دول أوروبـــا إلـى الوحدة السياسية المتمثلة بـ ( دول الاتحاد الأوروبي ) ، وإلى الوحدة الاقتصادية المتمثلة بـ ( السوق الأوروبية المشتركة ) ، وإلى الوحدة النقدية المتمثل بـ ( اليورو) ، وإلى الوحدة العسكرية المتمثلة بـ ( حلف الناتو) ، بالرغم من كل ذلك التحالف والتلاحم إلا أن كل دولة من هذه الدول لا زالت تبذل جهوداً كبيرة للحفاظ على هـويـتـهــا الثقافية التي تميزها عن غيرها من الأمم وإن كانت تربطها بها التحالفات والمعاهدات التي تحدد المصير في السلم والحرب ، وتحاول الوقوف في مواجهة الغزو الثقافي القادم مع البث المباشر من دول أخرى في القارة نفسها أو مــن خــارجهــا.
وهذا ما فعلته اليابان حفاظاً على ثقافتها وفكر وسـلـوكـيــات أبـنـائـهـا، وهو أيضاً ما فعلته فرنسا وكندا اللتان ضاقتا بالغزو الإعلامي الثقافي الأمريكي .
وإذا كان ذلك التخوف وتلك الإجراءات تتخذ من جانب دول كافرة ملحدة وذات قوة اقتصادية وإعلامية في مواجهة غزو إعلامي من دول كافرة مثلها ، فالحاجة أشدُّ في دولنا الإسلامية إلى مثل هذه الحماية وهذه الحيطة ، سيما وأن التأثير ليس فقط في عقول الأمة بل وفي شخصيتها وأخلاقها ودينها.
لقد واجه العالم تطوراً علميّاً هائلاً قبل30 سنة تقريباً يـتـمـثـل في توظيف الأقمار الصناعية في خدمة الإرسال التلفزيوني المباشر، دون حاجة إلى محطات أرضية ، وأصبح الإرسال يصل إلى المنازل مباشرة دون إمكان تدخل أجـهـــزة الـرقـابة في الدول، وأصبح هذا التطور بشكِّل سلبيات تعاني منها الدول المستهدفة لعدم قدرتها على إيقاف البث أو الـسـيـطـــرة عليه .
وقد استخدمت هذه القنوات من جانب دول الغرب ، سواء من خــلال قنواتها الـمـبـاشـــرة، أو من خلال إنتاجها الذي يمثل حوالي 50% من الإنتاج الذي تبثه كثير من القنوات في العالم الإسلامي فـي خـدمـــة تسويق أخلاقهم ومجونهم وأساليب حياتهم وطرق تفكيرهم والعلاقات السائدة في مجتمعاتهم ، هذا إلى جانب تسويق منتجاتهم الاقتصادية ، والسيطرة على عقول أبناء المجتمعات الإسلامـيـة، وتحقيق ما يسمى بــ : الاختراق الإعلامي للدول، الذي يعتبر مدخلاً لكل الاختراقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية... .
لقد أصبحت الثقافة صناعة وسلعة تُنتج وتُباع وتُشترى ويتم تبادلها، وتسيطر علـيـهــــا الشركات المتعددة الجنسيات، وتَحوَّل الجمهور إلى سوق واسعة يجب استثمارها، وظـهـــــرت أسواق تجارية لمحاصيل ثقافية وفيرة وجاهزة .
ففي 1991م بلغت قيمة صادرات بريطانيا من المواد الثقافية 25 مليار دولار محتلةً بذلك المرتبة الثانية في الدخل القومي بعد السياحة ، بينما تحتل الصناعة المرتبة الخامسة.
وفي العام نفسه بلغت قيمة الصادرات الأمريكية 60 مليار دولار، وهو رقم قريب من صادرات السلاح.
لقد ارتبط البث المباشر وتزايد القنوات الـفـضـائية بالـتـقــدم الضخم الذي تم إنجازه في مجال تقنية الاتصالات الفضائية، وبخاصة فيما يتصل بتنامي قوة الأقمار الصناعية وصغر حجم الهوائيات ورخص ثمنها بحيث أصبح من الصعب جدّاً ـ إن لم يكن مستحيلاً ـ السيطرة على هذا البث من خلال التشويش أو الإلغاء، فضلاً عن تكاليف ذلك التي لا تستطيع كثير من الدول الإسلامية تحملها.
ومما زاد من حجم الكارثة أن موقع الدول العربية الجغرافي مكَّن المشاهدين من استقبال العديد من قنوات البث المباشر من آسيا وأوروبا وأمريكا والدول العربية الأخرى دون حاجة إلى هوائيات إضافية.
ولقد تعاظم تأثير هذه الحرب الإعلامية في حياة المسلمين حتى وصل إلى مرحلة الإدمان ، ويُعرف هذا الأثر بعدد ساعات المشاهدة اليومية التي يقضيها المشاهدون وبخاصة الأطفال والشباب.
ففي تقرير لمنظمة اليونسكو العالمية ، رقم (33) تبين أن المراهقين ، في البلاد العربية ، يقضون ما بين اثنتي عشرة ساعة إلى ستين ساعـة أمام الشاشات أسبوعيًا، وأن الأطفال في سن الخامسة حتى السابعة يُبدون أقصى اهتمام بمشاهدة التلفزيون، وفي المرحلة التي تسبق هذه الـفتـرة فإن الطـفـل في سـن الثلاث سنوات يقضي ( 45) دقيقة يوميًا أمام التلفزيون، وفي سن أربع سنـوات ينفـق ساعـة ونصف الساعة يومياً.
ويظـهـر الـتأثـيـر السلبي الهـائـل للقنوات على الأطفال بشكل واضح في تبدل تـكـوينهم الشخصي والنفسي ، ويستطيع المراقب إدراك ذلك مـن خلال نـشـوء اهتـمـامـات جـديـدة لـدى الأبنـاء وأنمـاط من السلوك تحـاكي سـلوك الممثلين أو الشخصيات الخرافية الوهمية .
أما الأطفال الذين يولدون والدُّش في بـيـوتهم فإنه يغدو بعد حينٍ : أهمَّ مـوجِّـه لتـفـكيرهـم وسلوكهم وذوقهم واهتماماتهم، وقد لا يلاحـظ ذلك كـثـيـر مـن الآبـاء والأمهات، وخاصة أولئك الذين لا يهمهم إلى أين تسير السفينة أو من يوجِّه الدفة.
يقول أحد الباحثين : "إن تأثير الإعلام على الأطفال تأثير ثابت، ولا ينبغي للمسؤولين أن يقللوا من خطره، أو يهوِّنوا من أمره، ولاشـك في أن طريـقـة مـعالجة التلفـزيـون للأحداث ، وخـاصـة أسلـوب استخـدام الكـامـيرا يـجـعل الـتلفزيون مصنعًا للخوف والرعب بالنسبة للموضوعات العنيفة، وعندما يخلط الأطفال بين الواقع والخيال، ويتعرضون للتأثير الضار بـاسـتمرار، ويرون المجرم بطلاً خفيف الظل ، والقانون لا ينتصر إلا في النهاية، ورجل الشرطة موضع تهكم وسخرية، والقاضي إنسانًا مترددًا ومضحكًا، ورجل الدين رجلاً معقداً متخلفاً ، فإن احتمال عدم التأثير بذلك كـلـه أمـر جِـدُّ عسيـر " أ . هـ.
وقبل حوالي خمسة وعشرين سنة ظهر كتاب بالغ الآثار والأهـمـية وهو الكتاب الوحيد الذي ناقش تجربة التلفزيون ومشاهدته في ذلك الوقت اسمه ( المخدر الكهربائي ) وكان سبباً لضجة كبيرة عند الآباء القلقين، وعلماء النفس والمربين، ولقد أكد الكتاب أن مشاهدة الأطفال للتلفزيون تسبب عندهم نوعًا من الإدمان، وأنها تحول جيلاً كاملاً منهم إلى أشخـاص يتميزون بالسلبية، وعدم التجاوب، ولا يستطيعـون اللـعـب والابتكـار، ولا يستطيعون حتى التفكير بوضوح ، فكيف يتسنى لمثل هؤلاء الأطفال استيعاب الدروس في المدرسة وتركيز اهتمامـهـم فيمـا يلقى عليهم أو يطلب منهم التفكير فيه إذا كانت معظم أوقاتهـم تستنفد أمام الشاشة الصغيرة؟.
وجاء في استطلاع للرأي عن مضار أجهزة الإعلام على الأطفال فقط : إن فيض المعلومات التي تقدمها أجهزة الإعلام يعطل القدرات التأملية الخلاَّقة لدى الأطفال ، وخَلُصَ الاستطلاع أن الأطفال هم ضحية لبرامج التلفزيون والمجلات الهزلية.
وذكر الأطباء والمدرسون الذين شملهم الاستطلاع أن وسائل الإعلام أشد ضررًا بالأطفال وخاصة الـبرامـج الـترفـيهية الساقـطـة والمجلات الهزلية التي ترد إليهم ، وإن حشو مخيلة الـطـفـل، وإشغال فكره بهذه الترهات لا تـدع له مجالاً لاستيعاب المعلومات التي يتلقاها على مقعد الدراسة، مما يؤدي في أغلب الأحيان إلى كراهية الطفل للمدرسة والكتاب لشعوره بقصورهما وعجزهما عن جذبه إليهما كما يجذبه التلفزيون والفيديو ، إذا أنهمـا لا يـتطلبـان من الـطـفـل مجـهـودًا ولا حركة ، ويحشوان رأسه بالخيالات والأوهام ، ويضحكانه ويعلمانه الرقص والغناء، وكيفية إقلاق راحة الآخرين.أ . هـ .
كان هذا أثر التلفاز قبل هذه المدة الطويلة حيث كانت البرامج محافظة نوعاً ما وقبل أن تظهر القنوات والفضائيات التي تثير الغرائز وتحرك الشهوات وترغِّب في الفواحش ، والتي يزداد عــــددها باستمرار مع دخول بلدان جديدة مجال استئجار قنوات فضائية أو زيادة بعض الـبـلــدان قـنـواتهـا، إضافةً إلى أن القنوات القائمة تنحو دائماً إلى زيادة ساعات البث .
ويكفي أن نعلم أن مجموع البث بالقنوات العربية وحدها يبلغ حوالي 300 ألف ساعة سنوياً.
والجدير بالذكر أنه ليس هناك فوارق كبيرة بين ما يبثه الإعلام العربي وما يبثه الإعلام الغربي؛ حـيـث تـداخـلـــــت مفاهيم عديدة في ظل غياب الوعي الإسلامي الذي يحافظ على القيم والأخلاق، وغياب القدرة على إنتاج مواد محلية لتغطي ساعات البث الذي يزداد بصورة عشوائية .
تشير أرقام اليونسكو إلى أن المحطات التلفزيونية في بلاد المسلمين تستورد أكثر من 50% مما تعرضه على شاشتها، وأن أكثر من 75% من هذه المادة المستوردة من منشأ أمريكي .
وبهذا يكون من أدخل القنوات والدشوش إلى بيته قد سلّم آخر ما لديه من أسلحةٍ لمقاومة الغزو الإباحي والمجون ودعوات الإنحلال ، وأسهم في عملية الانتماء الفكري للغرب بكل عقائده ونظمه ومبادئه ومساوئه .
وهذا من أعظم الظلم والغش للأسرة التي استرعاه الله إياها والتي سيحاسب عنها يوم القيامة ، قال صلى الله عليه وسلم :" كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته " متفق عليه .
فالواجب على الآباء والأمهات وعلى كل مسلم غيور على دينه وعرضه وكرامته هو مقاطعة هذه القنوات الفاسدة والإباحية وغيرها، ومنع أبنائهم من الاتصال بها.
وهو أمر يحتاج إلى العزيمة وإلى تَبَنٍّ واضح من راعي كل أسرة يخشى الله واليوم الآخر .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }
إن التصدي لهذه الحرب الضروس لمن أوجب الواجبات في هذا الزمان الذي أصبحت فيه حرب الكلمة من أقوى الحروب فتكاً وأشدها ضراوة .
ويحسن بنا ونحن في ختام هذا الحديث أن نركز على الحقائق التالية :
أولاً : إن غزو الـعالـم الإسلامي بجماهيره الواسعة بنمط الحياة الغربية القائمة على الشهوانية والحيوانية والجشع والطمع والتحلل من الدين والأخلاق ، لا يمـكـن أن يجـعـلـنا قابلين لها ومُسلِّمين بها ، بل إن هذا الإصرار الغربي الشديد على رأيه في أن يرى العالم نموذجاًً واحـــداً وثقافةً واحدةً ، يحتِّم على الدعاة ومن زادهم الله بسطة في المال أن يعملوا على إنشاء قناة بل قنوات إسلامية بديلة تخاطب الأسرة المسلمة والأمة المسلمة بطريقة عصرية جــذابــة، وتلبي حاجات جميع أفرادها من برامج عقدية وفقهية واجتماعية جادة، وترفيهية بـريــئــة، وبـرامــج وثائقية وتاريخية وعلمية، مع الاهـتمام بالطفل المسلم بصورة خاصة ، وانتقاء فترات الـبـث الـمـناسـبة لكل شريحة من شرائح المجتمع حتى تـتم الفائدة المرجوة.
ونظراً لأن الأموال اللازمة لتمويل إنشاء قناة تلفزيونية فضائية باهظة ، فيمـكـن أن يتم ذلك عن طريق المنظمات والهيئات الإســـلامــيــة وذلك بـإنـشـــاء شركات مساهمة تتولى هذه المهمة .
ثانياً : هذا المطلب مهم ويلبي حاجات قطاعات عريضة من أبناء الأمة، فالمتتبع لبعض البرامج الإسلامية القليلة في الفضائيات العربية الجادة ـــ وما أقلها ـــ التي تختار الدعاة ثم تستضيفهم على الهواء مباشرة ، كيف تنهال عليها الاتصالات من كل حدب وصوب ، بما يبشر بالرغبة لـــدى فئات كبيرة من المجتمعات المسلمة في الوطن العربي والإسلامي في التعرف على أحكام دينها ومعرفة شؤون حياتها بما يتوافق مع شريعة ربها .
كما ينمُّ عن تمني كثير من الآباء في إيجاد بديل إعلامي هادف لأبنائهم وبناتهم يمكن الثقة به.
ويوضح في الوقت نفـسه إخفاق البرامج الإسلامية التي تحاول بعض الفضائيات استخدامها لتمييع الدين وخـلـــط الفاسد بالصالح.
ثالثاً : نحن أمة دعوة ، ولذا فالمسلمون مطالَبين بالدعوة إلى الله مادام فيهم نـفَـس يـتـردد وعِرق ينبض {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون }.
ولقد تجلت جهود المسلمين الأوائل في تبليغ ونشر الإسلام وتحملوا المكائد والصعاب في سبيل ذلك ولم يتوانوا عن المجاهدة والمكابدة بالرغم من مؤامرات الأعداء وأمم الكفر على تدمير الإسلام والمسلمين .
وحسبنا أن نشير إلى سِيَرِ الصحابة y وما عانوه وما تكبدوه من مشاق في سبيل التبليغ بكل مراتب التبليغ والتبشير حتى تَقدَّم موكب الإسلام الزاحف عبر الأراضي الشاسعة والبلدان الواسعة .
رابعاً : إن الإعلام الإسلامي إعلام عقيدة ذو مـهـمـات متشـعبة ، ومسؤوليات كبرى ، وأعباء كثيرة وثقيلة تتوزع على دوائر وتمتد إلى آفاق بعيدة مترامـيـة الأطـراف .
إنه إعلام غير محدود ولا تنتهي رسالته في معركة يخوضها ، أو عند فكرة يذود عـنـها ، أو رأي يضمن له الذيوع والانتشار.
خامساً : لا ينبغي أن نغيب عن العالم ، ولا أن نجعل من زمننا هذا زمن العض على أصل شجرة ما دام بإمكاننا أن نعمل وأن نؤثر في مسيرة العالم ، فـــ : " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" رواه أحمد والترمذي والبخاري وصححه الألباني .
ولا نلجأ للعزلة الإعلامية فإنها وهم ، بل إن استخدام المادة الإعلامية السيئة وإعادة صياغتها في المرحلة الأولى بما يناسب أوضاع المسلمين مطلب ملح حتى يأتي ذلك اليوم الذي نصنع فيه الخبر ابتداءً .
سادساً : إنَّ الإسلام لم يكن يوماً من الأيام بمعزل عن الحياة البشرية والنشاط اليومي ...
فهو يحث المسلم على الذكر المتصل وأداء العبادة بأوقاتها المحددة...
ويضبط تعامل المسلم اليومي مع الأسرة والجماعة والمجتمع ...
وينظم قواعد وأخلاقيات العلاقات الدولية في السلم والحرب.
ولهذا فإن الإسلام يحمل إعلاماً لا يقبل الانفصام والانفصال بين الدين والدنيا (كما حدث في الغرب) .
بل إنَّ فيه القدرة على تحقيق المصالح الدنيوية وإرضاء أذواق الناس وحاجاتهم كلها حتى الترويح عن النفس ضمن شروط وضوابط شرعية .
سابعاً : لا بد من اتباع خطوات مدروسة ومنظمة للوصول إلى البديل الإعلامي الإسلامي ، تتمثل في :
ــ إعداد الكادر الإعلامي المسلم الواعي الذي يفهم الإسلام على أنه دينُ عبادة وعمل ، وشرْعُ دنيا وآخرة ، ومنهجُ حياة متكاملة .
ــ الدعوة إلى الأخلاق والترغيب بها ونشرها : وهي من أسمى الصفات الإنسانية وقد امتدح الله تعالى رسوله e بقوله { وإنك لعلى خلق عظيم } وبيَّن e مهمته بقوله ": إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق " . صححه الألباني رحمه الله .
ــ حسن العرض وإبراز محاسن الإسلام وصورته المشرقة والرد على المشوهين والمغرضين ودحض افتراءاتهم وكشف شبهاتهم .
ــ العمل من منطلق المصلحة العامة للأمة والحرص على أمن المجتمع واستقراره بعيداً عن الإشاعة المغرضة والتحريض الهدام ضد فئات المجتمع وقادته .
وينبغي أن يكون دعوة صادقة لمسؤولية مشتركة تحفظ كيان الأمة وتنشر الخير للناس جميعاً .
ــ المعرفة الجيدة بالإعلام المضاد وبمخططاته والعمل على صدها وردها بالأدلة العلمية الدامغة .
ثامناً : ولا بد أن يعلم التجار والمنتجون بعدم شرعية كـسـبهم عن طريق ترويج سلعهم بالإعلان في قنوات الهدم والإفساد، وعليهم مقاطعتها ويجب أن لا يستهينوا بهذا الأمر حيث إن امتناع تجار بلد عربي واحد عن التعامل مع واحدة من تلك القنوات سيؤدي إلى إفلاس حقيقي لها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق