الاثنين، 23 يونيو 2008

الفاشيون الحقيقيون

الفاشيون الحقيقيون

د.سعد البريك
في الوقت الذي تواطأ فيه بعض قادة الغرب على وصم الإسلام والمسلمين بالتعصب وبغض الآخر ، تتواتر التصريحات العنصرية العدائية ضد هذا الدين وأهله ابتداءً من القس الأمريكي جيري فالويل والمنصر بات روبرتسون مروراً بالرئيس الأمريكي بوش ورئيس وزراء إيطاليا الأسبق برلسكوني والرسوم الدانماركية المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم وانتهاء ببابا الفاتيكان .
كل هذا الحقد وهذا الكره ناتج عن تسميم العقل الغربي فيما يتعلق بالإسلام والمسلمين . يقول محمد أسد : إنّ الشرّ الذي بعثه الصليبيون لم يقتصر على صليل السلاح، ولكنه قبل كل شيء وفي مقدمة كل شيء كان شراً ثقافياً. لقد نشأ تسميم العقل في الغرب ، في ذلك الحين استقرّت تلك الفكرة المضحكة في عقول الأوربيين من أن الإسلام دين شهواني وعنف حيواني، وأنّه تمسك بفروض شكلية وليس تزكية للقلوب وتطهيراً لها. ثم بقيت هذه الفكرة حيث استقرت ثم أصبح احتقار الإسلام جزءاً أساسياً في التفكير الأوربي. (الإسلام على مفترق الطرق 60 ـ 61) .
عندما وصف الرئيس بوش حربه على أفغانستان بأنها حرب صليبية قيل إنها زلة لسان من الرئيس ، وعندما تهجم الصحفي الدانماركي على مقام النبوة والرسالة قيل إنها زلة قلم من رسام مغمور ، ولما عاود بوش الكرة ليصف المسلمين بالفاشيين ، قيل هي زلة لسان أخرى من الرئيس ، ولنسلم جدلاً أن بوش رجل سياسة وأن عداءه للإسلام نابع من استعلائه السياسي وأنه لا يفقه شيئاً عن الأديان، فما هو القول في إساءة بابا الفاتيكان ، وهو الحبر الأعظم للديانة الكاثوليكية ، لكن كالعادة في سياسة « الجرح ومداواته» قام أعوانه بتبرير موقفه بأنه لم يقصد التعرض بالإساءة للدين الإسلامي وأن نص كلامه لم يفهم على الوجه المطلوب .
إن مما يدعو إلى العجب أن زلات ألسنتهم لا تنال إلا الإسلام ونبيه ، فلماذا لم تزل تلك الألسنة فتتحدث عن اليهودية مثلاً أو البوذية او الهندوكية ؟ .
هكذا يحاولون تسطيح وعينا واستغفال عقولنا ، يريدوننا أن نقبل التهكمات والتعديات والشتم والإهانات بابتسامة عريضة لا تنقصها لغة المجاملة والإيتيكيت . فنحن الإرهابيون والمتعصبون وهم من يتسامح ويفتح المجال أمام الحريات ، ونحن المتوحشون وهم دعاة السلام ، ونحن الفاشيون وهم الأحرار بناة المدنية والحضارة .
الغرب يريد منا أن نتسامح ، يشتمنا ويسبنا ويسب نبينا صلى الله عليه وسلم وينتقص قرآننا ويريدنا أن نتسامح ، يحتل بلداننا وينهب ثرواتنا ويريدنا أن نتسامح ، يقتل أبناءنا ويشرد أطفالنا ويريدنا أن نتسامح.
الحروب الصليبية بكل بشاعتها ومجازرها كانت لتحريرنا ، وإسرائيل زُرعت في قلب منطقتنا خنجراً مسموماً لتكون نموذجاً عن العالم المتحضر نحتذيه ، وأفغانستان والعراق دمرتا واحتلتا لنشر الديموقراطية ، وكأن الديموقراطية تأبى أن تنتشر إلا على الجثث والأشلاء ولا ترتوي إلا بالدماء ، وإذا رفضنا شتم ديننا أو إهانة نبينا صلى الله عليه وسلم تأسف الغرب لغضبنا ... فالتسامح واحترام الآخر في قاموس الغرب يعني أن يسب دينك ويشتم نبيك صلى الله عليه وسلم ويجلد ظهرك ويغتصب عرضك ويقتل أطفالك دون أن يتمعر وجهك أو تحاول أن تدافع عن نفسك.
في تصريح غير مسؤول ولم تحسب عواقبه ، قال بابا روما في محاضرة له بجامعة ريغنيسبورغ في ألمانيا : ( الإرادة الإلهية في العقيدة الإسلامية لا تخضع لحكم العقل. ولذا انتشر الإسلام بالسيف لا بالاقتناع العقلي، والنبي محمد لم يأت إلا بما هو سيئ وغير إنساني) .
إن من السذاجة والبُله المركب التصديق بأنها زلة لسان ، فهو أستاذ في علم اللاهوت، وكان يحاضر في جامعة عالمية ، ويدرك جيداً خطورة كلماته، خاصة أنها جاءت واضحة ومباشرة في إساءاتها وتهجماتها على مئات الملايين من المسلمين.
ليس من المستغرب أن يطلق هذه التصريحات العدائية وهو المعروف بتعصبه وتشدده ضد الإسلام والمسلمين .بل إن تشدده كان السبب الحقيقي وراء اختياره لكرسي البابوية ، لما يتمتع به من نفوذ وتأثير يمكن أن يؤدي دوراً كبيراً في الحملة العالمية على الإسلام .
أثناء احتدام الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي ، وفي ظل الحاجة الماسة لرص الصفوف لمواجهة المد الشيوعي ، تم اختيار يوحنا بولس الثاني على رأس الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان لما عرف عنه من مقاومته للشيوعية وتصديه لها ، وشكل الفاتيكان وقتئذٍ صخرة منيعة أمام الشيوعية حتى تم إسقاطها وكان ليوحنا بولس الثاني دوراً كبيراً في ذلك . والآن وبعد أن تغيرت البوصلة صوب العالم الإسلامي وأصبح الإسلام هو العدو الأول ، كان لا بد من اختيار فارس صليبي متمرس في الحرب على الإسلام لا ينقصه الحقد اللازم والعداوة المطلوبة ، ليوجه الكنيسة الكاثوليكية التي يتبعها مئات الملايين على مستوى العالم كله إلى حرب الإسلام والمسلمين .
ويخطئ من يظن أن العداء للإسلام وليد اللحظة ، لا ، بل هو إرث ورثته أوروبا والغرب منذ مئات السنين.
كتب المستشرق الكبير (رودنسون) يقول: لقد كان المسلمون خطراً على الغرب قبل أن يصبحوا مشكلته ، وفي الوقت نفسه عامل اهتزاز شديد في بنيان الوحدة الروحية للغرب ، وأنموذجاً حضارياً بديلاً يمتاز بتنافسه وحركته الإبداعية المتسارعة وقدرته الهائلة على الانفتاح والاستيعاب. (نقلاً عن مقال "الحركة الصليبية وأثرها على الاستشراق الغربي"، د. علي الشامي منشور في مجلة الفكر العربي العدد (31): 137 لسنة 1983م) .
كل ذلك العداوة والبغضاء بسبب جهل الغرب بالإسلام .يقول المؤرخ (ريتشارد سويثرن) في تاريخه الموجز: إنّ الذي انصقل كثيراً وازداد تعقيداً هو الجهل الغربي، وليس المعرفة الصحيحة بالإسلام، أدّى هذا الجهل بالإسلام إلى التفكير بضرورة القيام بعمل ما بشأن الإسلام. والواقع أنّ عدم الإنصاف يتمثل في التصور المسيحي للمسلمين ككفّار ووثنيّين يعبدون ديناً زائفاً، ولمحمد كساحر، بل نُظر إلى النبي على أنّه كاردينال في كنيسة روما، فلمّا أُحبطت آماله في أن يصير بابا ثار وفرّ إلى الجزيرة العربية حيث أنشأ هناك كنيسة خاصة به . (نقلاً عن كتاب "صورة العرب في الصحافة البريطانية" 25 ـ 26).
وفي ظل هذا الجهل الفاضح الممزوج بالخوف والحذر "عشّشت وفقّست العديد من التصورات والمواقف والتأويلات الظالمة المشوّهة" على حدّ تعبير المستشرقة الالمانية د. آنا ماري شميل (نقلاً عن كتاب «الإسلام كبديل» لمراد هوفمان 9 ).
وبما أن هذا حال النصرانية مع الإسلام ، فلا غرابة فيما قاله بابا الفاتيكان : ( الإرادة الإلهية في العقيدة الإسلامية لا تخضع لمحاكمة العقل ) .
قال هذا الكلام في الوقت الذي يغلي فيه العالم بسبب التصرفات الطائشة المتطرفة لأفراد أو جماعات حادوا عن جادة الصواب ينتمون لأديان وطوائف مختلفة وليس للإسلام فحسب ، وكان من المفترض عليه أن يتمسك بمفاتيح الحكمة ، لا أن يفقدها بخطابه غير المسؤول.
لقد فاته أنه ليس من العقلانية إخضاع إرادة الله لأحكام ومقاييس عقل خلقه ؟! .
إن من مقاييس العقلانية السليمة ألا تقاس مشيئة الله وقدرته على إرادة البشر وقدرتهم، لأن القياس إنما يكون بين المتماثلات وهو أمر منتف بالنسبة لله عز وجل.
وإذا عدنا إلى العقيدة النصرانية ذاتها في عيسى ، وأنه خلق من غير أب ، ـــ وهذا حق نؤمن به ـــ هل يستطيع العقل البشري أن يدرك هذا الأمر؟.
وكيف تستطيع النصرانية أن تعقل حقيقة خلق آدم من تراب ونفخ الروح فيه ، وأنه لم يخلق من أب أو أم بل بكلمة " كن " .
وكيف تستطيع النصرانية أن تعقل ـ أو على الأقل أن تعطي تفسيراً عقلانياً ــ للروح التي تبعث في الجسد الحياة ، ما هو شكلها ، ومم تتكون ، وأين توجد ومم خلقت ...إلى آخر هذه الأسئلة المحيرة التي جعل الله أجوبتها من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا هو سبحانه {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} .
بل أبسط من هذا ، كيف تستطيع النصرانية ومعها العلم الحديث أن تفسراً تفسيراً عقلياً السر الذي يجعل براز النحل عسلاً بلسماً شافياً، خلافاً لكل مخلوقات الله ؟.
إن آخر من يحق له التحدث عن توافق العقل مع الدين هو النصارى ، الذين دفعتهم المبالغة في تقديس العقل وتغليبه على النقل والنصوص إلى تحريف الإنجيل عندما لم تفهم عقولهم حقيقة أن الله رفع نبيه عيسى عليه السلام ، فزعموا أنه صلب ومات ... والأمثلة كثيرة .
وعلى النقيض من ذلك ، جاء الإسلام بما ينمي العقل ويفعله ، { قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا } .
فالعقل في الإسلام هو مناط التكليف ومن لا عقل له فلا تكليف عليه:" رفع القلم عن ثلاثة : ... وعن المجنون حتى يفيق ".
ولما جادل الملحدون النبي صلى الله عليه وسلم في البعث بعد الموت ، فقال قائلهم {من يحيي العظام وهي رميم } ، رد الله عليه رداً عقلياً وجواباً منطقياً لا يملك المخالف إلا أن يسلم به فقال { يحييها الذي أنشاها أول مرة}.
بل إن الله تعالى جعل الإنسان العاقل من أشر أهل الأرض إن لم يرشده عقله إلى طريق الحق والهدى {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ } .
الإسلام جاء مرسخاً للعلم والتعلم والابتكار والبحث والنظر في الأرض وفي الأفلاك والسماوات ، حتى استطاع المسلمون أن يبنوا حضارة عظيمة ويبدعوا في علوم جلست أوروبا قروناً تدرسها طلابها في الجامعات . يقول جوستاف لوبون: "كلما أمعنا في درس حضارة العرب وكتبهم العلمية واختراعاتهم وفنونهم ظهرت لنا حقائق جديدة وآفاق واسعة ولسرعان ما رأينا أن العرب أصحاب الفضل في معرفة القرون الوسطى لعلوم الأقدمين وأن جامعات الغرب لم تعرف لها مدة خمسة قرون مورداً علميا سوى مؤلفاتهم ".
هل يجهل بابا روما حجم الحضارة التي صنعها المسلمون في أوروبا وفي الشرق؟ .
وهل يجهل فضل المسلمين على بلاده من الناحية العلمية؟ .
وإذا كان يجهل هذا كله فهل يجهل حجم الجهل الهائل عند أسلافه الذي دفعهم إلى محاربة العلماء وقتلهم وإحراقهم واتهامهم بالزندقة والهرطقة ، منهم العالم الشهير (غاليلو) لمجرد أنه كان يعتقد بدوران الأرض حول الشمس وغيره كثير ؟ .
هل فعل المسلمون في تاريخهم كله كما فعل النصارى مع علمائهم؟ .
المؤكد أن البابا لا يجهل هذا التاريخ الأسود لكنه الحقد على الإسلام ولا شيء غير ذلك .
ثم ذهب بابا روما إلى أن الإسلام ما انتشر إلا بالسيف ، على قاعدة أن الدين الذي لا يحترم العقل ، يتوسل إلى مقاصده بالسيف والسنان لا بالحجة والبرهان .
وإنما حمل المسلمون السيف ليدافعوا عن وجودهم لئلا يستأصلوا فشرع لهم الدفاع عن أنفسهم {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } .
وكانوا من قبل مأمورين بكف اليد واحتمال الأذى{َألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } . وقال خباب رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: "لقد كان من قبلكم يمشّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظام أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليُتِمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ".
إنما شرع الجهاد لإعلاء كلمة الله والتمكين لأحكامه ولإقامة حدوده وتثبيت ميزان العدالة ونصرة المستضعفين وعون المظلومين وردع الباغين ودفع الإعتداء عن المسلمين ودمائهم وأموالهم وأعراضهم قال تعالى { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين } .
من الفتنة الوقوف في وجه الدعوة الحق / ومن الفتنة : الظلم والقهر / ومن الفتنة : نشر الرذيلة والفساد / ومن الفتنة : الاعتداء على الدين والعرض والدم .
إن شر الفتنة في الأرض أشد خطراً وبلاء من شر الحرب وويلاتها ، ولهذا شرع الله الجهاد لدفع شرها .
لم يشرعه لأسباب دنيوية أو مصالح اقتصادية أو أطماع استعمارية أو لفرض الهيمنة والنفوذ ، أو لحياة زعيم من الزعماء ولا لبقائه في الحكم لمدة أطول ، أو لرغبات أشخاص أو لقمع المخالفين ، ولا لاستعباد أحد من البشر أو سلب ماله وأرضه ومسكنه وكرامته ، ولا لفرض أراء سياسية واقتصادية على الأمم الأخرى ، ولا لتجربة أسلحة معينة ، ولا لابتكار فنون قتالية جديدة، ولا لاستذلال شعوب الأرض كما هو الحال في دول الغرب النصرانية .
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه ، فمن في سبيل الله ؟ ، فقال صلى الله عليه وسلم :" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، فهو في سبيل الله " . رواه الجماعة .
وهذا القتال ليس أولى الخطوات ، بل تسبقه الدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ، قال صلى الله عليه وسلم لعلي عندما وجهه لفتح خيبر :" انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه ، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم " . رواه البخاري ومسلم .
فإن أبوا دفعوا الجزية مقابل حماية أهل الإسلام لهم ، ولهذا لما حشد هرقل الجيوش الضخمة للمسلمين كتب أبو عبيدة إلى عماله على المدن المفتوحة في بلاد الشام أن يردوا ما جُبِيَ من الجزية لأهلها وكتب إلى الناس يقول : ( إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع ، وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم ، وإنا لا نقدر على ذلك وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم ) .
ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم في موضوع القتال بدعاً بين إخوانه من الرسل ، فداود عليه السلام قاتل ، ويوشع بن نون قاتل ، وغيرهما
لقد نفى الإسلام نفيا حاسماً مسألة الإكراه في الدين، فقال { لا إكْرَاهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بالطّاغُوتِ ويُؤْمِن باللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بالعُرْوَةِ الوثْقى لا انْفِصامَ لَها واللهُ سَميعٌ عَلِيم } . وقال تعالى مُخاطِباً نبيّه صلى الله عليه وسلم { وَلَو شاءَ رَبُّكَ لاَمَنَ مَنْ في الأرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حتّى يَكُونوا مُؤْمِنين } وقال سبحانه { فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر } وقال {وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلْظّالِمِينَ نارَاً أحَاطَ بِهِم سَرَادِقُها ... }
لقد احترم الإسلام حرية الاعتقاد ورفض إجبار الناس على اتباعه قسراً ورغماً عن قناعاتهم وإيمانهم المتحرر من أية قيود مفروضة عليهم.
قال ( تولستوي) الفيلسوف الروسي ، الذي انبهر بسماحة الإسلام اتجاه الأديان الأخرى وبرسول الهدى صلى الله عليه وسلم : " لم يقل عن نفسه إنه نبي الله الوحيد ، بل اعتقد أيضاً بنبوة موسى وعيسى عليهما السلام وقال إن اليهود والنصارى لا يكرهون على ترك دينهم " .
إن الاسـتقراء التاريخي يشهد بأنّ أمماً ودولاً دخلت الإسلام بالقناعة ، وقد شهد القرن العشرون وهذا القرن حركة دخول كثيفة في الإسلام في أفريقيا وأوربا وآسيا وأمريكا واستراليا وفي كل منطقة من العالَم.
ألوف الناس من كل الأديان يدخلون في الإسلام، وبطريقة مستمرة وبشكل مطرد ، بل إنه في الولايات المتحدة نفسها، وبعد أحداث 11 سبتمبر بالذات: يدخل في الإسلام عشرات الآلاف كل عام، معظمهم على مستوى عالٍ من التعليم . فمن ذا الذي أكره هؤلاء بـالسيف لكي يعتنقوا الإسلام ؟.
لقد تجاهل البابا تاريخ الكنيسة الدموي في نشر الدين المسيحي ، وتجاهل كيف أن الشعوب الأوروبية في العصور الوسطى قد رزحت تحت القمع والإرهاب باسم الكنيسة والدين المسيحي عندما سن الملك الفرنسي (شارلمان) قانوناً يقضي بإعدام كل من يرفض أن يتنصَّر، بل قاد حملته القاسية على السكسونيين والجرمان لتنصيرهم.
وتجاهل بابا الفاتيكان السمعة السيئة للكنيسة التي فرضت آراءها على الناس ، وكيف نكلت بهم إذا ما رفضوا أو عارضوا آراءها.
وكيف نصبت لهم المشانق وأحرقت كل من خالفها آنذاك وعاقبت ما يزيد على (300) ألف إنسان.. أحرقت (32) ألفاً منهم أحياء.
جاء فيه الانجيل المحرف " ...فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ، وَاقْتُلُوا أَيْضاً كُلَّ امْرَأَةٍ ضَاجَعَتْ رَجُلاً، وَلَكِنِ اسْتَحْيَوْا لَكُمْ كُلَّ عَذْرَاءَ لَمْ تُضَاجِعْ رَجُلاً ). (سفر العدد 31: 1ـ 18 )
جاء في التوراة المحرفة ما زعموه على لسان عيسى عليه السلام : ( لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض.ما جئت لألقي سلاما بل سيفا ) . ( متى : 10: 34 ) .
وجاء في سفر حزقيال [ 9 : 5 ـ 7 ]على لسان ( الرب ) :
" اعْبُرُوا فِي الْمَدِينَةِ خَلْفَهُ وَاقْتُلُوا. لاَ تَتَرََّأفْ عُيُونُكُمْ وَلاَ تَعْفُوا. أَهْلِكُوا الشَّيْخَ وَالشَّابَّ وَالْعَذْرَاءَ وَالطِّفْلَ وَالنِّسَاءَ. وَلَكِنْ لاَ تَقْرَبُوا مِنْ أَيِّ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ السِّمَةُ، وَابْتَدِئُوا مِنْ َقْدِسِي. فَابْتَدَأُوا يُهْلِكُونَ الرِّجَالَ وَالشُّيُوخَ الْمَوْجُودِينَ أَمَامَ الْهَيْكَلِ. وَقَالَ لَهُمْ : نَجِّسُوا الْهَيْكَلَ وَامْلَأُوا سَاحَاتِهِ بِالْقَتْلَى، ثُمَّ اخْرُجُوا. فَانْدَفَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَشَرَعُوا يَقْتُلُون".
أليس هذا ما حدث في بيت المقدس حين دخله الصليبيون في القرن الخامس الهجري ، فقتلوا حوالي سبعين ألف إنسان حتى سالت الطرقات بأنهار الدماء اعتقاداً منهم أنهم ينفذون تعاليم المسيح كما قال لهم زعيمهم البابا إريان الثاني ، وقد وصف المؤرخ النصراني "ول ديورانت" في كتابه "قصة الحضارة" هذه المذبحة المهولة فقال نقلاً عن القس ريموند الذي حضرها : "وشاهدنا أشياء عجيبة إذ قطعت رؤوس عدد كبير من المسلمين وقتل غيرهم رمياً بالسهام أو أرغموا على إلقاء أنفسهم من فوق الأبراج وظل بعضهم يعذبون عدة أيام ثم أحرقوا بالنار". وهذا الذي ذكره ديورانت غيض من فيض . فالعجب من جرأة باابا الفاتيكان على اتهام المسلمين بالعنف متجاهلاً تاريخ أسلافه الدموي .
لما دخل المسلمون الأندلس ، نشروا فيها العلم والرحمة والتسامح الحضارة التي يشهد لها التاريخ بما فيه تاريخ النصارى، فلم يقتلوا النصارى ولم يطلبوا يجبروهم على الإسلام أو المغادرة أو الإبادة. لكن النصارى فعلوا ذلك كله فلم يسمحوا لأي مسلم بالبقاء في إسبانيا إلا إذا ترك دينه وتنصر وما عدا ذلك فليس إلا القتل أو المغادرة ، حيث أفتاهم بابا الفاتيكان ( سيكستوس الرابع ) بإنشاء محاكم التفتيش لتتبع المسلمين الذين أجبروا على اعتناق النصرانية ، ووصل عددها إلى أكثر من 20 محكمة استمرت في القتل والتشريد لملايين المسلمين ، وحتّى من تمّ تهجيره منهم فيما بعد للسخرة في المستعمرات الأسبانية والبرتغالية في أمريكا الجنوبية بعد أن فرض عليه التنصير واللسان الأعجمي وجد محاكم التفتيش أمامه في تلك المستعمرات حيث أنشأت السلطات الاستعمارية هناك ثلاث محاكم في كل من ليما، ومكسيكو، وقرطاجنة من أجل متابعتهم والتأكد من عدم ارتدادهم إلى دياناتهم الأصلية .
هل هذا هو التاريخ الذي يفخر به بابا روما ؟ وهل المسلمون هم الذين ينشرون دينهم بالعنف أم النصارى؟.
وهل يجهل بابا روما أن حوالي عشرة ملايين قتلوا في الحروب الطاحنة التي حدثت بين الكاثوليك والبروتستانت؟.
وهل هؤلاء الملايين العشرة قتلهم العنف الإسلامي أم العنف الكنسي؟.
وإذا كان يجهل التاريخ القديم أفلا ينظر إلى ما يحدث اليوم وأمام عينيه؟! .
ألم يشاهد قتل عشرات الآلاف من المسلمين في العراق وأفغانستان؟.
ألم يرى المجازر اليومية التي يقوم بها اليهود بدعم مطلق من أتباع ديانته على أرض فلسطين؟.
لقد قادت تعاليم الإنجيل الدموية النصارى إلى يخوضوا حروباً مليئة بالعنف والقسوة وعدم التسامح ، ليس مع الأعداء فحسب ، بل فيما بينهم أيضاً ، فبعد عصر ( قسطنطين ) بقليل ، أعدّوا وثيقة لممارسة العنف مع أتباع الديانات الأخرى وعلى الذين اختلفوا معهم في الكنيسة المركزية . يقول المؤرخ ( هربرت مولر ) : ( كان البابا ليو الثاني عشر يرى أن التسامح الديني انصراف عن الدين الحق ، وقد استخدم المخبرين الرسميين وقبض بمساعدتهم على المنصرفين عن العقائد وملأ بهم السجون ). ( هربرت مولر 10 / 152 ) . ويتابع : ( أمر الملك الرومي ثيودوسيس بإغلاق معابد الديانات الأخرى وقرر أن المسيحية الكاثوليكية هي الديانة الشرعية الوحيدة ، وسلب جميع الحقوق المدنية من الذين لم يتفقوا مع أفكار الكاثوليكية ووصفهم بأنهم مجانين). وأضاف : ( حين سلب ثيودوسيس الحقوق المدنية من الملاحدة ، تعين لأول مرة في التاريخ أن صحة العقيدة الدينية صارت ثمناً للحقوق المدنية ) . ( الموسوعة الدينية 442 ) .
ولم يقف الأمر عند هذا بل قامت الكنيسة بعملية (الاحتساب الديني) لقمع كل مخالف لها ، حيث قتل بسببها كثير من الأبرياء والمصلحين من النصارى الذين سعوا لبعض الحريات الدينية فقاومتهم الكنيسة مقاومة شديدة ومنعتهم بكل عنف وقسوة. يقول المؤرخ الشهير ( جِبَن ): ( لقد حمت الكنيسة الرومانية مملكتها بعنف ، هذه المملكة التي حصلت عليها بالخداع). ( روبرتسون : جبن والنصرانية 135 ) . وأصدر البابا لوسيس الثالث أمراً بأن الأساقفة وحكام الكنيسة يتحملون مسؤولية البحث عن الذين يُشكُّ في عقيدتهم ، والذين لا يخلصون للكنيسة وبالتالي يُقبض عليهم ويعاقبون. كما أن بعض الباباوات وحكام الكنيسة شجعوا عامة الناس على البحث عن الملاحدة والوشاية بهم ، ومن يفعل ذلك يُعطى له ثلث ممتلكات الملحد والثلث الثاني يذهب للكنيسة والثلث الأخير للحاكم المحلي . وكانت نتيجة هذه الأوامر اضطهاد الكثير من الأبرياء بتهمة الإلحاد وتوزيع ممتلكاتهم بين الطامعين وشاعت هذه الظاهرة في أوساط النصارى لدرجة أنهم بدأوا يتهمون الموتى بعد وفاتهم بالإلحاد لمصادرة ممتلكاتهم فإن ثبتت الجريمة كان يُحفَر القبر وتُستخرج الجثة وتُضرب بالسوط وتحرق العظام وتسلب ممتلكات صاحبها وتوزع بين المحتسبين والكنيسة والحاكم المحلي . ( فاكندارد / الاحتساب ص 203 ) .
وبسبب الاحتساب الكنسي أحرق الآلاف بالنار ، وأما الذين سجنوا في السراديب الغليظة المتعفنة الضيقة المظلمة المليئة بالحشرات والعقارب وماتوا فيها فلا يمكن حصرهم ( روبرتسون 135 ) .
ويقول روبرتسون : ( لقد بلغ عدد النصارى المقتولين بتهم الإلحاد في أثناء مدة قصيرة أكثر بكثير ممن قتلوا بسبب تنكيل ملوك الرومان الصابئين الذين ظلموا النصارى وشددوا عليهم قرابة ثلاثة قرون مليئة بالظلم والجور) . ( روبرتسون 135 ) .
وبلغ عدد الذين قتلوا من النصارى المخالفين للكنيسة الرومية في هولندا فقط مائة ألف إنسان .
ولهذا قال الفيلسوف النصراني ( جان لوك ) وهو ممن ألف في الدفاع عن النصرانية وذبَّ عنها ، قال عن النصرانية : إنها ديانة سفاكة وقتَّالة وتتعامل بالسيف مع كل من يقاتلها.
ولم يكتف بابا روما باتهام الإسلام بالعنف بل استشهد البابا بمقولة شانئ قال : إن النبي محمد لم يأت إلا بما هو سيئ وغير إنساني. وليس صحيحاً أن يقال: إن البابا كان ناقلاً لا مقراً لهذه المقولة ، بل أوردها في مقام الاستشهاد بها . وسياق خطابه يؤكد ذلك .
ما هو السيء وغير الانساني الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ؟.
هل هو توحيد الله ووجوب طاعته وعبادته ومحبته والسعي في مرضاته ؟.
أم هو العدل والصدق والأمانة وحسن الخلق والبر والصدقة وبذل الندى وكف الأذى وكظم الغيظ ؟.
أم هو هذا الكتاب العجز الذي جمع بين دفتيه كل معاني السمو والقيم المثلى؟.
أم هو جعله الإيمان بالأنبياء جميعاً من أركان الإيمان بالله تعالى كما فمن انتقص أحداً منهم كفر وخرج من ملة الإسلام ؟.
أم هو رفع عيسى عليه السلام إلى المنزلة التي أنزله الله إياها : نبي كريم وجيه في الدنيا والآخرة { إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين}.
وهل من السوء الذي جاء به محمد: الثناء على الصدّيقة والدفاع عنها، ورفع ذكرها في الكتاب وترسيخ اليقين بطهرها: { واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا} .
إذا كان الحقد الأعمى قد أعشى عيني بابا روما فدفعه إلى اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لم يأت إلا بالسيء واللإنساني ، فإن كثيراً من العقلاء في العالم اعترفوا بما قادتهم إليه عقولهم فأدركوا مكانته وعظمة شخصيته ورحمته .
قال الزعيم الهندي ( مهاتما غاندي ): ( هم يرون النار بدلاً من النور، والقبح بدلاً من الجمال ، وهم يحرفون كل صفة جميلة ويقدمونها على أنها رذيلة كبيرة ، وهذا يوضح فسادهم وفجورهم... أصاب الناقدين العمى ، فهم لم يروا أن السيف الوحيد الذي شهره محمد عليه الصلاة والسلام كان سيف الرحمة والشفقة والصداقة ، السيف الذي يقهر الأعداء وينقي قلوبهم في الوقت نفسه ، إن هذا السيف أحد من السيف المصنوع من الصلب)
وورد في كتاب طبع في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1978م بعنوان " أعظم مئة شخصية مؤثرة في التاريخ " قام بإعداده عالم الرياضيات والعلوم الأمريكي ( ميشيل هارت ).
وتضمنت دراسته عدة شخصيات بارزة كعيسى وموسى عليهما السلام ، وقيصر ونابليون وكولمبس وشكسبير وغيرهم ... واعتمد في ترتيبهم ترتيباً تنازلياً حسب أهميتهم .
وبعد بحث مضن لسيرهم وآثارهم وصل لقناعة لا يقبلها الشك في أن من يستحق أن يكون اسمه على أعلى تلك القائمة ، كأعظم رجل في تاريخ البشرية ، هو محمد صلى الله عليه وسلم .
وقال : " إن اختياري لمحمد عليه الصلاة والسلام ليكون على رأس تلك القائمة قد يدهش بعض القراء ويثير التساؤل عند آخرين ، إن محمد هو الرجل الوحيد في العالم الذي نجح إلى حد بعيد في الجانبين الديني والدنيوي معاً ... رجل نشأ نشأة متواضعة نجح في تأسيس ونشر واحدة من أعظم الديانات في العالم ، كما أصبح سياسياً ناجحاً ، واليوم بعد خمسة عشر قرناً ما زال تأثيره قوياً شاملاً " .
ويقول الشاعر الفرنسي (لامارتين) بعد ما وقف على بعض ملامح من حياة رسولنا الكريم : (أي رجل أدرك من العظمة الإنسانية مثل ما أدرك ،وأي إنسان بلغ من مراتب الكمال مثلما بلغ ) .
أما (جورج برناردشو ) الأديب الإنجليزي المعروف فقال يشدو برسول الرحمة عليه الصلاة والسلام : " إنني اعتقد أن رجلاً كمحمد لو تسلم زمام الحكم المطلق في العالم أجمع ، لتم له النجاح في حكمه ، ولقاده إلى الخير ، ولحل مشكلاته على وجه يكفل للعالم السلام والسعادة المنشودة " .
إن ما هو أسوأ من تصريحات بابا روما هو محاولة بعض الكتاب الدفاع عنه والتماس المخارج والأعذار على اعتبار أنه لم يفعل غير نقل رأي قديم لغيره.
وقال آخر ( عبده خال ) : ( عندما يستعير البابا بنديكتيوس السادس عشر حواراً قديماً من القرن الرابع عشر الميلادي... فأنا أقرأه بصورة مغايرة لما أحدثته محاضرته تلك من ثورة عارمة في العالم الإسلامي، وهذه القراءة تنطلق من أن ثقافتنا هي التي مكنت المخالفين لنا من الطعن واتهام الدين نفسه من غير تفريق ما بين المنهج (الإسلام) والمطبقين لذلك المنهج (المسلمين).( عكاظ ، السبت 23 / 8 / 1427 ، الموافق 16 سبتمبر 2006 ، العدد 1917).
ثم يؤكد ما زعمه البابا قائلاً : (وتأتي كارثة المتحدثين باسم الدين سابقاً ولاحقاً ورفضهم للعقل والفلسفة،) وختم قائلاً : (نحن بحاجة للعقل للوصول للآخرين) ).( عكاظ ، الأحد 24 / 8 / 1427 ، الموافق 17 سبتمبر 2006 ، العدد 1918 )
قد كان الأجدر بهم بدلاً من لوم المسلمين على ردة فعلهم ، تقريع حبر الفاتيكان على زلته غير الحكيمة وغير المبررة وغير البريئة في امتطاء صهوة النقل لتمرير رسالة الكراهية ضد الإسلام والمسلمين!.
لكن إذا كان المرء لا يغار على دينه ولا يتمعر وجهه حمية لدينه ونبيه صلى الله عليه وسلم فأي غيرة يملك وأي حمية يحوز؟! .
وانبرى آخر ( عبد الرحمن الراشد ) في صحيفة أخرى ( الشرق الوسط الاثنين 25 شعبان 1427 هـ ن الموافق 18 سبتمبر 2006 م ، العدد10156) لينصح المسلمين بعدم التصدي لهذه الإهانة فقال : وقيادات العمل الديني مطالبة اليوم أكثر من زمن مضى تجنب المناطحة لأننا في عالم مليء بالكثير من البارود .
إن بوش ومَن وراءه هم مشعلو الإرهاب العالمي، فكلما خبت جذوة الحرب على الإرهاب هرع ومن معه لإشعال فتيلها بتصريحات ينال من الإسلام وأهله ، فهم يعلمون غيرة المسلم على دينه، ويدركون أن المسلمين ليسوا على مستوى واحد من الوعي والعقل والعلم والثقافة فهناك من سيدفعه حماسه للرد الطائش العنيف ، وهذا هو مطلبهم ومعقد خطتهم الخبيثة ، حيث يقومون بإدراج هذه الأعمال في دائرة الارهاب ، وتتوفر لهم الحجة التي تمكنهم من الاستمرار في حرب الإرهاب والقول بعجز الدول عن مقاومته وما يتبع ذلك من تشريع احتلال الشعوب العاجزة تحت غطاء مكافحة الارهاب .
إننا بحاجة إلى تركيز الجهود لتعريف العالم أجمع بحقيقة هذا الدين ، فأفضل طريقة لحجب المعلومات الخاطئة هي نشر المعلومات الصحيحة .
وهذا هو دور كل القوى الفاعلة والمؤثرة في العالم الإسلامي وهو دور أعمق من التنديد والشجب.
أين منظمة المؤتمر الإسلامي من الهدي النبوي بإيفاد الرسل لشرح الاسلام وبيان حقيقته ، فقد كان صلى الله عليه وسلم يوفد الرسل إلى ملوك الأرض لشرح هذا الدين .
إن مشكلتنا هي التعامل مع المواقف بعاطفية وبردات الفعل ، فليست لدينا إستراتيجية واضحة للتعامل حتى مع المواقف المتكررة والظروف المتشابهة.
لقد أوذي النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ومن أهله لكنه كان يستثمر هذا الإيذاء في صالح دعوته، والأمة اليوم مطالبة بإيجاد خطوات علمية وعملية لاستثمار هذا الحدث في نصرته ونصرة دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، وتقديم سيرته للذين جهلوها فاستثمار هذا الحدث لصالح دعوة النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يجب أن تدور عليه الجهود، وتجتمع حوله الأهداف.
إن ما نريده الآن وفوراً لا ينحصر في الاعتذار الصريح الواضح من بابا الفاتيكان عن الإساءة التي وجهها إلى ديننا ونبينا ، بل نريد القيام بخطوات عملية تزيل الضرر وتمحو التشويه الذي لحقنا ، فإذا أصر على عدم الاعتذار فإننا أننا أمام نسخة حديثة من مفتي محاكم التفتيش (سيكتوس الرابع ) .
وليحذر شبابنا من أن يستدرجوا إلى أفعال طائشة ومحرمة بحق من دخل بلادنا بعهد وأمان من النصارى ، فالإسلام حرم الاعتداء على الذميين حتى وإن أساء رؤساؤهم إلينا ، فلا يجوز أخذ الكل بجريرة البعض ولا يجوز معاقبة الجماعة بذنب أفراد والله تعالى يقول { ولا تزر وازرة وزر أخرى }.
www.saadalbreik.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق