سياحة التأثير 2/3
د. سعد البريك
اعتزاز المسلم بدينه، وإظهاره لشعائره، مع القدرة على المواءمة بين الترفيه المباح وبين الدعوة إلى الله بالسمت الحسن والخلق الطيب والكلمة الرقيقة، هو من سياحة التأثير التي أدعو إليها..
يقول أحد الأطباء : دُعيتُ لمؤتمر طبي في أمريكا ، فبدا لي ألا ألبس الملابس الطبية ولبست ثيابي العادية ، بدأ المؤتمر وبعد فترة دخلت صلاة الظهر فاستأذنت وصليت ،وكان ذلك ملفتاً للنظر ، فشعرت بشخص يصلي بجانبي
ويبكي فلما انتهيت فإذا طبيب يمسح دموعه ويقول» هذه أول مرة أصلي فيها منذ أربعين سنة ، وقال: جئت إلى أمريكا منذ أربعين سنة وأحمل الجنسية الأمريكية و لكني تهاونت بالصلاة فتركتها فترة طويلة لم أصل قط ، ولما رأيتك تصلي تذكرت الصلاة التي طالما تهاونت بها .
وفي الحفل الختامي سألوني : لماذا لم تلبس لباس الأطباء ؟ فشكرت اهتمامهم وقلت : هذه ملابسنا و لست في مستشفى ، ثم أردت انتهاز الفرصة لدعوتهم فأشار المدير أن وقتي قد انتهى فخطر لي أن أثير علامة استفهام وأجلس فقلت : مؤتمر يكلف الملايين للبحث ما في داخل الجسم ، لكن لماذا خلق هذا الجسم ؟!! ثم ابتسمت ونزلت ، فلاحظ المدير دهشة الحضور ، فأشار إليَّ أن استمر ، فحدثتهم عن الإسلام والغاية من الخلق ، ونهاية الدنيا فما إن انتهيت حتى أعلنت أربع طبيبات الدخول في الإسلام .
قال الأديب الانجليزي جورج برنارد شو: لقد درست محمداً باعتباره رجلاً مدهشاً ، فرأيته بعيداً عن مخاصمة المسيح ، بل يجب أن يدعى منقذ الإنسانية ، وأوربا في العصر الراهن بدأت تعشق عقيدة التوحيد ، وربما ذهبت إلى أبعد من ذلك فتعترف بقدرة هذه العقيدة على حل مشكلاتها.
هذه نظرة مفكري العالم لرسالتنا وديننا ، والمحزن أن البعض طغى عليهم الانتماء السلبي ورضوا بأن يكونوا في الهوامش وأسفل الحواشي ، في انهزامية ظاهرة وانبعاث محموم خلف الشهوات ورغبات النفس ولو كان فيها إساءة للدين وتشويه لصورته ، ولو كان فيها التخلي عن مهمتنا الخالدة التي رُسمت قنطرة نعبرها إلى بوابة الخيرية في قوله تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله }.
نعم لسياحة التأثير لا التأثّر، والاعتزاز لا الابتزاز، والفضيلة لا الرذيلة، والثبات لا الانفلات.
سافر شاب إلى إحدى الدول الغربية لحاجة له ، واضطر بسبب غلاء الإيجارات إلى أن يستأجر غرفة في منزل امرأة طاعنة في السن تقيم فيه لوحدها ، فأثار انتباهها قيامه لصلاة الفجر ووضوؤه بالماء البارد ، وكان ذلك في فصل الشتاء ، ولما تكرر ذلك منه ، سألته مستغربة : لماذا تفعل ذلك ؟، فبيَّن لها أنها الصلاة المفروضة وأنه يجب المحافظة عليها وأنها من أسباب السعادة في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة ، فاندهشت قائلة : إن ديناً يربي أتباعه على هذه القوة والصلابة على طاعة الله حتى في البرد والزمهرير، إنه دين حق ، ثم نطقت بالشهادتين وأسلمت.
هذه قصة تبين ما قَصَدتُه في عنوان هذه المقالة ، فاعتزاز المسلم بدينه ، وإظهاره لشعائره، مع القدرة على المواءمة بين الترفيه المباح وبين الدعوة إلى الله بالسمت الحسن والخلق الطيب والكلمة الرقيقة ، هو من سياحة التأثير التي أدعو إليها ، وهذه لا تحتاج إلى كثير جهد ، فمجرد إظهار شعائر الدين هو دعوة إلى الله ، ولكي تنتشر حلاوة السكر في كوب الشاي يكفي أن نحركه بالملعقة قليلاً .
كما أن هذا الأمر لا يحتاج إلى تبحر في العلم الشرعي وأساليب الدعوة وطرق الحوار كما يتوهم البعض ، والمؤمن كالنخلة كثير البركة دائم العطاء ، وحتى لو وقع في معصية أو زلت به القدم فإن إيمانه بربه وتمسكه بدينه سيعينه بإذن الله على النهوض من كبوته .
البعض يعتز بالإسلام ، والبعض يستنكف أن يظهر شعائر دينه في بلاد (الحرية!!).
وأكمل غداً بإذن الله .
المصدر: http://www.al-madina.com/node/32307
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق