الاثنين، 3 نوفمبر 2008

المرجعية الدينية (الدكتور سعد البريك)


المرجعية الدينية
الحلقة الأولى

د. سعد البريك

مع تطور مفهوم الدولة المعاصرة وازدياد الوضوح والتخصص في أجهزتها السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية وغيرها ... يتقاطع دور المرجعية الدينية بشكل عمودي وأفقي مع هذه الأجهزة كافة ، الأمر الذي يؤكد على ضرورة تعزيز دور هذه المرجعية ، ويؤكد قبل ذلك على فهم طبيعة هذا الدور داخل الأنماط الحياتية المختلفة ، دينية كانت أم سياسية أم اقتصادية ، سيما مع تزاحم الأحداثِ وتسارُع المتغيِّرات وتداعي النوازلِ والمستجِدّات ، التي تجعل الحاجة ملحة إلى الرؤية الشرعيّة الصحيحة والموقف الفقهي الصائب المبني على الوحيين المعصومين مع النظر في فقه السّنَنِ الكونية والاستقراء التّام للأحوال التاريخية والمعاصرة .
ومن هنا يمكن القول بأن المرجعية الدينية هي وعاء للهوية السياسية من خلال دورها المؤثر في تشكيل الوعي الديني وصياغة الإدراك الاجتماعي والأخلاقي الذي يتحرك المجتمع من خلاله إيجاباً أو سلباً ولاءاً أو معارضةً ، طاعة أو تمرداً في التعاطي مع قيادته السياسية.
كما يمكن القول بأنها تعتبر الضمانة التشريعية من خلال التصدي لمن يحاولون النيل من أيديولوجية النظام وعقيدته ، سواء كانوا من الغلاة المتطرفين أم من المتميعين المفرطين ، ولذا وجب أن تقوم المرجعية بهذا الدور عبر التاريخ بكفاءة عالية ، ويوم أن أعرضت بعض المجتمعات عن الاستماع إلى المرجعية وسلوك هدي أهل العلم الربانيين ، دخلت أتون الفوضى الفكرية فانتشر المنهج المتطرف بشقيه التكفيري والتغريبي ، وحصدت جراء ذلك الحنظل والمر الزؤام من التفجير وسفك الدماء والأمن المفقود والتخبط الفكري والخواء الروحي والتبعية الثقافية والبعد عن الهدي المعصوم ... ولو تاملنا فيما سلف لأدركنا بلا شك في أن المرجعية الدينية تعتبر أيضاً ضمانة للاستقرار الاجتماعي واستتباب الأمن الفكري والمنهجي.
كما أنها ركيزة من ركائز التقدم الحضاري ، فالجهود التي تقوم بها الدولة لترسيخ المدنية وإدخال المعاصرة في كافة الميادين، لا تكفي وحدها لبناء حضارة متماسكة ، إذ لا بد قبل هذا من بناء الإنسان المتحضر القادر على أن يتعامل مع متغيرات العصر بوعي وإدراك وقدرة على تمييز النافع من الضار والغث من السمين ، فتطويع الجماد من حولنا سهل يسير أما تطويع أنفسنا فهو الصعب الذي يحتاج إلى مجاهدة وتوجيه وإرشادٍ من الراسخين في العلم .
لا ينبغي أن يفهم هذا الكلام على أنه دعوة إلى إعطاء المرجعية الدينية هالة من القداسة تمنحها السيف مسلطاً على رقاب من يفكرون في عدم الانصياع لأوامرها ، أو هو محاولة لجعلها سلطة مستبدة تدعي لنفسها القداسة والطاعة المطلقة العمياء إذ أن المرجعية تفرق بين الفتيا والقضاء وتعلم وترسخ أن القضاء المستقل يفصل في أطراف الخلاف وسلطته العليا مهيمنة على الأنظمة إذا كانت المحكمة الدستورية تمارس دورها فعلياً ، وعليه فالإشارة إلى دور المرجعية إنما هو إضاءة على أهميتها ودورها التكاملي مع القيادة السياسية في كل ما من شأنه صلاح العباد والبلاد ، وهو ما أشار إليه سماحة مفتي عام المملكة في مقابلة مع إحدى الصحف بقوله : علماء هذا البلاد، ولله الحمد، مع القيادة شيء واحد، وتعاون وثيق، وارتباط قوي، وبعضهم يشد أزر بعض، فالعلماء هم بأمس الحاجة لوقوف القيادة معهم، والقيادة أيضا ترى لهم فضلهم ومكانتهم، فالتعاون بين العلماء والقيادة، راسخة جذوره، ثابث وقديم، وليس أمرا حادثا، فعلماء هذا البلد مع قيادتهم هم على خط واحد وعلى طريق مستقيم ، وليست هناك فوارق بين هؤلاء ولا هؤلاء ،،،، وكل منهم مكمل للآخر. انتهى كلام سماحة المفتي، ومن أدرك هذا لم يعجب من أحلام تيار التغريب في دق إسفين الفرقة بين المرجعية والقيادة . وأكمل غداً بإذن الله .






المرجعية الدينية
الحلقة الثانية
أجمع محللو التاريخ الحديث أن دولة كالمملكة العربية السعودية في خصوصيتها وإسلامية نظامها وتدين شعبها استطاعت أن تعيش أدوارها الثلاثة وبذور نهضتها الجديدة في أنقاض سقوطها في الدورين الأول والثاني ويعزون ذلك إلى تكامل دور المرجعية الدينية والقيادة السياسية في احتياج متبادل لا غنى لأحدهما عن الآخر ، لكن السؤال الذي هو حلم دعاة التغريب : ماذا لو أقصيت المرجعية الدينية عن دورها وحل محلها ما يشتهونه ويتمنونه! ، لا شك في أن النتائج ستكون كارثية .
فالقدح في العلماء والتشكيك في مرجعيتهم وأهليتهم يشكك الأمة فيهم وفي أمانتهم وعلمهم وحرصهم على مصالح الأمة , فتنصرف إلى رؤوس جهال فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون.
وقبل هذا كله فإن إيذاء العلماء هو إيذاء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: "من آذى فقيهاً فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد آذى الله عز وجل ".
فلا غرابة أن تجد فكراً يريد سدنته إسقاط أهل العلم وتنحيتهم أو تحييدهم عن الساحة لتخلو لهم وليديروا الدفة كما يحلو لهم، ولا عجب أن رأينا بعضهم يتكلم في مسائل وقضايا لو حدثت في عهد عمر رضي الله عنه لجمع لها المهاجرين والأنصار ، وهؤلاء كل واحد منهم يقول: أنا لها أنا لها.
وقد تنوعت طرائقهم في غمز ولمز المرجعية الدينية كلٌ بما تحدثه به نفسه ، أو تشتط به أوهامه ، أو تؤزه إليه أحلامه فتارة يتهمون العلماء بأنهم لا يفقهون الواقع في محاولة لصرف الناس ـ ونحن في زمن الفتن والأحداث الكبار ـ عن العلماء لكي يتولوا هم توجيههم وفق ما يريدونه بدعوى فقههم للواقع .
وبعضهم يعمد إلى تضخيم أخطاء العلماء , وهذا خطأ وعدوان, صحيح أن العالم بشر يخطيء ويصيب ، لكن تضخيم الخطأ ثم إيراده في سياق التشويه والطعن لاشك أنه عدوان وتجن وظلم ، بل هو تعد على الشرع لأن نزع الثقة من العالم يدخل الناس في متاهات الحيرة ويوقعهم في براثن الجهال والمتنفعين الذين يشترون بعهد الله ثمناً قليلاً ، وفي هذا يقول العلامة الشيخ العثيمين رحمه الله : الناس إذا كانوا يثقون بشخص ثم زعزعت ثقتهم به فإلى من يتجهون ؟, أيبقى الناس مذبذبين ليس لهم قائد يقودهم بشريعة الله أم يتجهون إلى جاهل يضلهم عن سبيل الله بغير قصد , أم يتجهون إلى عالم سوء يصدهم عن سبيل الله بقصد ؟ . انتهى كلامه رحمه الله . وأكمل غداً بإذن الله .






المرجعية الدينية
الحلقة الثالثة
في قوله تعالى { ولوردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ، أمر برد معضل المسائل ومشكل النوازل إلى أهل العلم لكي يستبطوه ويبلََّغوه للأمة ، لا ليعلموه فحسب ، بل البلاغ والتوجيه هما الهدف والغاية . وإلا ما هي المصلحة في أن يعلمه الذين يستنبطونه ويعلموا حكم الله فيه دون أن يبلغوه للأمة لكي تعمل به وتهتدي بهداه؟!.
سؤال أتوجه به إلى كل من يلمز أو يطعن بالمرجعية الدينية سواءً بطرف خفي أو بكلام جلي .
إن استهداف المرجعية الدينية بهدف إسقاطها أو زعزعة الثقة فيها أو حتى تهميش دورها سيؤدي ـ سواءًا جهل هؤلاء اللمازون أم علموا ـ إلى عواقب وخيمة أدناها اختلال الأمن وأعلاها زوال الكيان إذا تكاثرت الفتن وتتابعت المحن في غياب القيادة والمرجعية .
لقد عصفت بالأمة أحداثٌ أثبتت أن أهل العلم الراسخين هم قادتها وهم أجدر بالقول في النوازل والحُكْمِ فيها ، وهذا يسقط حجة من يزعم أن المرجعية الدينية إنما تسعى لتحقيق المصالح السياسية ، أما إذا خالفتها فإن الطبقة السياسية تسعى لتحجيمها وتحديد دورها أو إقصائها وإبعادها ، وربما دفعهم إلى هذا القول ما فعله الرئيس عبد الناصر الذي خاض صراعاً دموياً ضد بعض الجماعات الإسلامية وألغى المحاكم الشرعية ما عدا الأحوال الشخصية ، حيث لم يجد أمامه سوى منبر الأزهر ليحث المصريين على الصمود والمقاومة في وجه العدوان الثلاثي على مصر في ستينيات القرن الماضي.
وإنما يسعى هؤلاء من وراء زعمهم هذا إلى فصل الدين عن نواحي الحياة ، ولن يتم لهم ذلك إلا بتهميش المرجعية الدينية تمهيداً لإقصائها وتحجيمها في حدود ضيقة .
إن إقصاء المرجعية الدينية سيؤدي ـ إضافة إلى المحاذير التي ذكرت في هذه الثلاثية ـ إلى أن يندفع الشباب المتدين إلى البحث عن قيادات لن يجدها إلا في السراديب والأقبية أو في المواقع المشبوهة التي يحركها أشخاص يسعون إلى تجنيد الشباب وقوداً لفكر لن يجد له القبول والانتشار إلا إذا خلت الساحة من العلماء الربانيين وهذا ما لا يرضاه العقلاء ويحذر منه المخلصون ولو كثر اللمازون وتواتر الطعانون بالمرجعية الدينية ودورها وأهميتها.
كل الدول الكبرى منها والصغرى لها مرجعية تحافظ على النظام ويُحتكم إليها عند النزاع في تفسيره ... وما قيام المحكمة الدستورية العليا بحسم النزاع في رئاسة البيت الأبيض بين بوش الابن ومنافسه ببعيد .
والمرجعية الدينية في بلادنا تجاهد من أجل رفع الناس إلى سمو وطهارة التشريع خلافاً لمن يقيَّم نجاح المرجعية بالانحطاط بالتشريع إلى أهواء الناس وذرائع شهواتهم .
إن آثار التغريب في المجتمع لم تدخل بإذن من احد ولم يرحب بها أحد ولم يفرش لها البساط الأحمر ولم تعزف لها موسيقى الاستقبال ، بل فرضها دعاة التغريب قسراً عبر تكرار الصوت والصورة والكلمة والحرف والإيماءة والإشارة دون إذن من أحد .
ولذا ،، بات من الملح أن تبادر المرجعية الدينية إلى مشروعات التأثير على المجتمع وحصانته وتوعيته ، صحيح أن هذا ليس من صميم عملها كمرجعية لكن تسارع الأحداث وتتابع المستجدات يحتم عليها هذا .
كما أنها بحاجة إلى رفع مؤشر الرصد وزيادة وتيرة الملاحظة لمتابعة المستجدات والقول الفصل في إيقاع سريع غير بطيء فيما يختصم فيه الناس ولو استدعى ذلك الاستعانة بلجان استشارية في شتى المجالات الإعلامية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها ...لتنقل لها حقيقة الوقائع والنوازل بأمانة ودقة ومهنية عالية تمهيداً للفصل فيها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق