الجمعة، 16 أكتوبر 2009

الاختلاط وآثاره

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد

قال تعالى { وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا } .

من القضايا التي يدندن البعض حولها ويطرحونها في وسائل الإعلام المختلفة , وتكلم فيها من تكلم وخاض فيها من خاض بلا علم ولا حجة بل بشبهات وجهل وربما دفعتهم الشهوات والغرائز " قضية الاختلاط" . فلا تكاد تُثار قضيةُ عملِ المرأة إلاّ وتُثار معها قضيةُ الاختلاطِ، وكأنه لا يجوز للمرأة ولا يليق بها أن تعمل إلا إذا خالطت الرجال ! . .
والحجة في هذا أن منع الاختلاط ليس له معنى إلاّ التضييق على المرأة أو الحد من مجالات العمل المتاحة لها وحرمانها من أبواب رزق كثيرة، وبات ينظر إلى كل من يقول بمنع اختلاط المرأة بالرجل بأنه من دعاة الهدر وتبديد الطاقات وتضييع المال والثروات!. وكأنهم يقولون إن الأعراض تهون في سبيل المال ، وصدق من قال :

أصون عرضي بالمال لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض بالمال
هذه القضية باتت تطرح بمناسبة وغير مناسبة ، وكأن الاختلاط هو سبب التخلف ، والعقبة الأخيرة التي تحول بينتنا وبين أن نصبح في مصاف الدول المتقدمة ، أو هو الخطوة الأخيرة في سلم الرقي والحضارة !. ولكن دعاة الاختلاط لم يقدموا لنا تفسيراً واحداً يبين لنا سبب رزوح الدول العربية التي أقرت الاختلاط منذ عشرات السنين تحت وطأة التخلف ولا زالت تصنف في دول العالم الثالث !.
أليس سبب التخلف الذي نعيشه كما يزعمون هو تشددنا في جانب المرأة ؟! وأن النساء مجرد أفواه تأكل ولا تنتج !! لماذا إذن لم تتقدم وتتفوق الدول التي فتحت الباب على مصراعيه أمام المرأة لتصارع ظروف الحياة ومشاقها ؟! . وكيف يصدق عاقل أن سبب تقدم الغرب وتفوقه التكنولوجي هو اختلاط الرجال بالنساء ، لا مراكز الأبحاث ومختبرات التجارب العلمية .

إن هؤلاء لا يعجبهم من الحضارة الغربية إلا التفسخ والعري وحرية الوصول إلى المرأة ولذة الانغماس في الشهوات التي حرم الله ، أما الرقي الحضاري والتقدم التقني فلا مكان له في قاموس هؤلاء ؛ لأن المطلوب هو أن تبقى الأمة سوقاً استهلاكية مربحة لمنتجات الغرب الصناعية ، ولا يخفى الوحشية التي مارسها الانجليز إبان استعمارهم للهند والتي جعلتهم يقطعون أصابع الفتيات الهنديات كي لا يقمن بحياكة الملابس وما شابه ، لأن الحياكة صناعة في (مانشستر) ويجب أن تزدهر دون منافسة ، وكذا فعل الفرنسيون في لبنان أيام الاستعمار حيث منعوا استيراد المعدات والآلات الزراعية وأمروا بقطع أشجار التوت عندما أصبحت صناعة الحرير اللبنانية تنافس صناعة الحرير الفرنسية !. فالقضية ليست قضية تخلف وحضارة إنما هي قضية نشر الفاحشة في الذين آمنوا بجر قاذورات الغرب عبر المركب الحضاري ، وإذا لم يكن باستطاعتنا ركوب سفينة الحضارة دون أن نتخلص من الشوائب ودون أن ننظفها من الطفيليات والأعشاب السامة فإن مآلنا كمآل الغرب في التفسخ والانحلال لا محالة .

لقد خلق الله الذكر والأنثى ، وشرع ما ينظم العلاقة بين الجنسين ، ومنع كل ما يهدم كيان الأسرة أو يخدش البنيان الأخلاقي في المجتمع ، وتوعد من سلكوا مسالك الفاحشة ومقدماتها فقال { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ } ولذا جاءت الشريعة بسد جميع الطريق إلى تفضي إلى الوقوع في الفتنة وضبطت قنوات التواصل بين الجنسين فحرمت الخلوة وحرمت الاختلاط . ولا يخفى ما يعانيه النساء من المضايقات والتحرشات اللاأخلاقية ممن يختلطن به في العمل من الرجال ، وخاصة في الأماكن التي يكثر فيها الاختلاط كالمستشفيات ووسائل النقل وربما وصل الأمر إلى الوقوع في الفاحشة أو الاختطاف والجريمة ، وقل مثل ذلك فيما يتعلق بأعمال السكرتارية وكذلك مناوبات النساء الليلية.

ولذا جاء المنع من الاختلاط مراعاة للمروءة ، ولا يتساهل بالاختلاط إلا من قلَّ حظه من الرجولة ، وهو ما قاله سمو الأمير نايف : من يسمح لابنته أو زوجته بالعمل سكرتيرة عند رجل آخر يفتقد الرجولة.
الاختلاط محرمٌ معلومٌ تحريمه من دين الإسلام بما لا مرية فيه، ولا يستثنى من ذلك إلا ما يصعب التحرز منه.

روى البخاري أنَّ أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم قام النساء حين يقضي تسليمه ، ومكث يسيراً قبل أن يقوم . قال ابن شهاب: فأرى والله أعلم أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن مَنْ انصرف من القوم.أ . هـ.
وقال العلامة الحافظ ابن حجر رحمه الله في معرض ذكره لفوائد هذا الحديث: "فيه اجتناب مواضع التهم، وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات، فضلاً عن البيوت".

وروى أبو داود عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو تركنا هذا الباب للنساء" قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات.
وروى أبو داود عن أبي أُسيد الأنصاري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارجٌ من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " استأخِرْنَ ، فإنه ليس لَكُنَّ أن تَحْقُقْنَ الطريق ، عليكُنَّ بحافَّات الطريق " ، فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم العيد، فصلى ثم خطب، ثم أتى النساء فوعظهن..." رواه البخاري.قال ابن حجر: قوله (ثم أتى النساء) يشعر بأن النساء كنّ على حدة من الرجال غير مختلطات بهم. (فتح الباري 2/466) .

وروى الإمام أحمد في المسند بسنده عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي رضي الله عنهما أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله : إني أحب الصلاة معك ، قال : قد علمت أنك تحبين الصلاة معي ، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك ، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك ، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك ، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي . قالت : فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه ، فكانت تصلي فيه حتى ماتت . وروى ابن خزيمة في صحيحه ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أحب صلاة المرأة إلى الله في أشد مكان من بيتها ظلمة . ووجه الدلالة : أنه إذا شرع في حقها أن تصلي في بيتها وأنه أفضل حتى من الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه ، فإن منعها من الاختلاط من باب أولى .

وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير صفوف الرجال أولها ، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها ، وشرها أولها " ، وفقد وصف أول صفوفهن بالشر والمؤخر منهن بالخير ، وما ذلك إلا لبعد المتأخرات عن الرجال عن مخالطتهم ، وذم أول صفوفهن لحصول عكس ذلك ، ووصف آخر صفوف الرجال بالشر إذا كان معهم نساء في المسجد لفوات التقدم والقرب من الإمام ولقربه من النساء .

وروى مسلم في صحيحه ، عن زينب زوجة عبد الله ابن مسعود رضي الله عنها ، قالت : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً " وروى أبو داود في سننه والإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات " . قال ابن دقيق العبد : فيه حرمة التطيب على من أرادت الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم ، وربما يكون سبباً لتحريك شهوة المرأة أيضاً ، قال: ويلحق بالطيب ما في معناه كحسن الملبس والحلي الذي يظهر أثره والهيئة الفاخرة ، قال الحافظ ابن حجر : وكذلك الاختلاط بالرجال .

وروى أسامة بن زيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء " . وجه الدلالة: أنه وصفهن بأنهن فتنة ، فكيف يجمع بين الفاتن والمفتون ؟ .
وروى أبو داود في سننه وغيره ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بنى المسجد جعل باباً للنساء ، وقال : " لا يلج من هذا الباب من الرجال أحد " وروى البخاري في التاريخ الكبير عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن عمر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تدخلوا المسجد من باب النساء " . وجه الدلالة : أن الرسول صلى الله عليه وسلم منع اختلاط الرجال والنساء في أبواب المساجد دخولاً وخروجاً ومنع أصل اشتراكهما في أبواب المسجد سداً للذريعة الاختلاط ، فإذا منع الاختلاط في هذه الحال ، ففيه غيرها من باب أولى .
وفي سبيل منع الاختلاط وما يؤدي إليه؛ جاء النهي عن الدخول على المرأة الأجنبية، وجاء تحريم مس الرجل بدن الأجنبية، حتى المصافحة للسلام، ونهيت المرأة عن السفر بلا محرم ، وورد التحذير من الخلوة بالمرأة ولو من أقارب زوجها " الحمو الموت "، فهل يصح في العقول أن يحرِّم الشرع الخلوة بالمرأة ولو لزمن يسير، ثم يبيح الاختلاط المنظَّم ، الذي هو ذريعة للخلوة المحرمة ومظنة لنشوء العلاقات الآثمة؟.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر العُزَّاب أن لا تسكن بين المتأهلين، وأن لا يسكن المتأهل بين العزاب، وهكذا فعل المهاجرون لما قدموا المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم .

ونقل الحافظ ابن الجوزي عن أبي سلامة رحمه الله قال: انتهيتُ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يضرب رجالاً ونساءً في الحَرَم ، على حوضٍ يتوضئون منه ، حتى فرَّق بينهم ، ثم قال: يا فلان. قلتُ: لبيك وسعديك ، قال: لا لبيك ولا سعديك ، ألم آمرك أن تتخذ حياضاً للرجال وحياضاً للنساء ؟!.

وبعد هذا يأتي من يروج للاختلاط ويدعو له بحج واهية ، تارة لعدم ورود نص صريح في الكتاب والسنة بمنع الاختلاط ، وأن كلمة الاختلاط ليست شرعية ، وأن الاختلاط كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأن المحرم إنما هو الخلوة فقط ، وطوراً بالواقعية وتارة بأن اختلاط المرأة في العمل هو سبيل لتشغيل الطاقات المعطلة في المجتمع وتارة يزعمون أن ذلك مباح إن كانت النية سليمة .

أما قولهم أن منع الاختلاط لم يرد في الكتاب والسنة ، فقول على الله بغير علم ، فقد أسلفنا بعض النصوص القاطعة في منع الاختلاط ، ولو تنزلنا في الخطاب مع هؤلاء وسلمنا جدلاً بأنه لم يرد نص صريح ، فهل هذا يعني الإباحة ، وهل كلُ ما لم يُنص على تحريمه صراحةً في الكتاب والسنة يكون مباحاً بإطلاق ؟. وهل ينحصر باب الاستدلال من الكتاب والسنة فقط ، أليس ثمة استنباط بالقياس وبالقواعد الفقهية كسد الذرائع ودفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما؟، وهل يصح منا القول : إن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان دون أن نأخذ بهذه المصادر سيما وأن الوحي قد انقطع والحوادث والنوازل لا ولن تنقطع ؟.

وكمثال على ما نقول : مسألة ضرب الابن لوالديه ، فلو استعرضنا كتابَ الله آية آية ، ما وجدنا فيه نصاً صريحاً ينهى عن ضرب الابن لوالده ، لكننا سنجد فيه نهياً جازماً للولد أن يقولَ لهما أفٍ أو أن ينهرَهما ، ولذا يدرك كل عاقل يفهم أساليب الخطاب وإيماءاتِه من النهي عن مجرّد التأفف للوالدين النهيَ عن كل ما هو أعظم منه من باب أولى . فالشارع ينص على حكم الأدنى لينبه على الأعلى من باب أولى، ومن غير المظنون بالشارع أن ينهى عن خروج المرأة متعطرة ليجد الرجال من ريحها، ثم يأذن لها أن تخالطهم في العمل ! .
وهل يعقل أن تبيح الشريعة الاختلاط ، في الوقت الذي تنهى فيه المرأة عن الضرب برجليها ليُعلم ما تخفي من زينتها! .

ولماذا يضيق الليبراليون بقاعدة سد الذرائع ، حتى إن أحدهم كتب أن قاعدة سد الذرائع تسبب له صداعاً دائماً ، وبعضهم يجعل العمل بها "ارتهان للتوجسات" ، هل لأنها قاعدة تغلق باب الفتنة الذي يسعى بعضهم إلى فتحه ، أم لأنها تقف في وجه مشروعهم الإفسادي المدمر للأخلاق والقيم ؟!.

إن سد الذرائع أصل أخذ به جمهور العلماء في كل ما غلبت فيه المفسدة على المصلحة، وإنما اختلفوا في بعض فروع ذلك؛ لاختلافهم في تقدير المفسدة والمصلحة، وهل ينازع عاقل في أن الاختلاط المتكرر يفضي إلى كثير من المفاسد؟!

إن هذا الدين لا يريد أن يعرض الناس للفتنة ثم يكلفهم عنت مقاومتها! فهو دين وقاية قبل أن يقيم الحدود، ويوقع العقوبات. ولأن هذه الفواحش ذات إغراء وجاذبية، جاء النهي عن مجرد الاقتراب من الفاحشة بقوله تعالى {ولا تقربوا الزنى } سداً للذرائع، واتقاء للجاذبية التي تضعف معها الإرادة، لذلك حرمت النظرة الثانية - بعد الأولى غير المتعمدة- ولذلك كان الاختلاط ضرورة تتاح بقدر الضرورة ، ولذلك كان التبرج حراماً، ولذلك أيضاً كانت الحركات المثيرة والضحكات المثيرة، والإشارات المثيرة ممنوعة .

إن قاعدة سدّ الذرائع معمول بها في القوانين والنظم، فلماذا حرمت كثير من الدول على الثمل والمخمور قيادة السيارة ، أليس ذلك سداً لذريعة وقوع حوادث السير ، ولماذا يمنع الصحفيون من دخول المواقع العسكرية والاستراتيجية الحساسة – رغم ما ينادي به الغرب من حرية الاعلام - ، أليس سداً لذريعة التجسس ، ولماذا يعاقب القانون على السرعة الزائدة أليس لشداً لذريعة إهلاك النفس والمال ؟ ، والأمثلة كثيرة جداً ، فهل هذا ارتهان للتوجسات أو شك في المسلمات ، أم هو الحزم وحسن التدبير ؟ . أليس قول النبي صلى الله عليه وسلم :" خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها " تدبير نبوي لمنع الاختلاط ودرْء الفتنة الناشئة من التزاحم وتماسّ الأجساد ؟.

إن مما ينبغي أن يُعلم أنه لا يُشترط فيما حُرّم سداً للذريعة أن يكون مفسدةً في كل صوره وحالاته، فلا يشترط أن يقع المخمور في حادث سير حتى نمنعه من القيادة ، بل يكفي أن تتوفر مظنة ذلك ، ولذا حرم الشرع الخلوة بشتى صورها، من غير تفريق بين خلوة يحصل فيها مسّ أو تقبيل أو نحو ذلك، وبين خلوة لا يحصل فيها شيء من ذلك؛ لأن الخلوة في نفسها مظنة للفتنة وذريعة للمفسدة، فكذلك يُقال في الاختلاط المنظم المتكرر، الذي تغلب فيه المفسدة وتترجّح: إنه يحرم كله وإن انتفت المفسدة في بعض حالاته القليلة.

نعم هناك اختلاط عفوي يحدث عرضاً ، فهذا لا تكون المفسد فيه غالبة كالاختلاط العفوي الحاصل في الحرم المكي أو المدني أو في الأماكن العامة والطرق والأسواق ، فالاختلاط فيها جاء عفواً من غير قصد، وعليه عمل الأمة سلفاً وخلفاً. إن مجرد وجود الرجال والنساء في مكان واحد والتقائهم فيه عفواً دون تبرج او سفور او وجود ما يثير الفتنة ليس في أصله ممنوعاً في الشريعة بإطلاق، ولا موجب للإثم بمجرده ما لم تشبه شائبة أخرى من تبرّج أو سفور ونحو ذلك، وإذا توفرت شروطه الأربعة وهي : أن تكون المرأة مستترة بالحجاب الشرعي / ألا يكون هناك خلوة بين الرجل والمرأة / الابتعاد عن الرجال قدر الإمكان / وأن يكون حضور المرأة لحاجة يشق عليها تركها.

وإن من الغلو والتنطع تحريم هذا الاختلاط العفوي ، وإنما يحرم الاختلاط المتكرر المنظم الذي لا تحتاج فيه المرأة إلى الاختلاط بالرجال ، كالاختلاط في العمل أو في الدراسة أو في المنتزهات والمطاعم والشواطئ والمدن الترفيهية وغير ذلك ، وكل ما كان في مكان خاص , أو موطن يدعو إلى الفساد والريبة أو اشتمل على محظور شرعي ، وحقيقته : أن يخالط الرجل المرأة ويجلس إليها بحيث يرتفع الحاجز بينهما ويطلع على مفاتنها , ويتمكن من التأثير عليها لو أراد ويزداد الأمر سوءاً إذا كان ملازماً لها كالاختلاط في التعليم أو مجال العمل ، والمرأة من أضعف خلق الله سريعة التأثر ، والرجل مهما كان عاقلاً ورعاً لا يقوى على مقاومة المرأة وإغرائها قال الله تعالى { وخلق الإنسان ضعيفا } قال ابن عباس: أي لا يصبر عن النساء.

إن احتجاج البعض بما يحدث في الطواف من اختلاط لتسويغ الاختلاط ، لا حجة فيه بوجه من الوجوه ، فالعمل يجب أن يكون بالنص لا بأفعال الناس ، ولذا نقول : إن الأصل في الطواف طواف النساء من وراء الرجال ، هكذا طاف نساء المسلمين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، أي الأقرب إلى البيت هم الرجال، ثم النساء من ورائهم ، قال عطاء: " لم يكن يخالطن، كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حَجْرة (معتزلة) من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت: انطلقي عنكِ ، وأبت. وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال، ولكنهن كن إذا دخلن البيت قمن حتى يدخلن ويخرج الرجال" رواه البخاري في الحج. وقال صلى الله عليه وسلم لأم سلمة : " طوفي من وراء الناس وأنت راكبة. رواه البخاري .

فما يحدث اليوم خلاف الأصل ، ومع كونه خلاف الأصل، إلا أن الطواف على هذا النحو بالرغم من كونه خطأً لا يقارن بما يدعو إليه دعاة الاختلاط ، وأين اختلاط محدود، في وقت محدود، كما في الطواف، من اختلاط دائم، مفتوح في شتى المجالات ؟.

ومما يدندن حوله الليبراليون لتسويغ الاختلاط قولهم : كانت المرأة تخرج في الجهاد مع الرجال تخالطهم وتداوى الجرحى. وجواباً على ذلك نقول : إن الأصل أن المرأة ليست من أهل الجهاد ولم يخاطبها الشارع بالقتال ، وقد نهى الفقهاء عن اصطحاب المرأة في ساحة القتال ،وإنما دلت السنة على جواز مشاركة المرأة في تطبيب المجاهدين عند الحاجة إلى ذلك مع الاحتشام وهذا خلاف الأصل ، والحاجة تقدر بقدرها كما يجوز للرجل أن يعالج المرأة عند الحاجة . كما أنهن كن يخرجن مع محارمهن بحجابهن وكان خروجهن لقلة الرجال ، وكن في الغالب من كبيرات السن ، فلا حجة في هذا أبداً لمن احتج به على جواز الاختلاط.. فليس فيه اختلاط بالمعنى المعروف ، وأين هذا الذي يحدث في الحرب من خروج النساء للمعونة، مما يحدث في المستشفيات من اختلاط ؟.

وهل تصح المقارنة بين حالة الضرورة، وحالة اللاضرورة؟ .

ومما أوردوه لتسويغ الاختلاط قولهم |إنه ثبت في تاريخ المسلمين ما يدل على جواز الاختلاط كما فى تولية عمر رضي الله عنه الشفاء بنت عبد الله الحسبة على أهل السوق وتولي المرأة على الولاية العامة في الأندلس وغيرها من أمصار المسلمين. والجواب على ذلك أن ما ورد عن عمر ضعيف سندا ومنكراً متناً , فقد ذكر ابن سعد وابن حزم الخبر مرسلاً بغير إسناد فهو ضعيف لا تقوم به حجة وطعن فيه ابن العربي وجعله من دسائس المبتدعة ، كما أن هذا العمل لا يليق بعمر وقد عرف بشدة غيرته على النساء وكان يكره خروج امرأته و سعى إلى منعها من الذهاب إلى المسجد,أما ما يروى بعد القرون المفضلة فلا حجة فيه بوجه من الوجوه لأنه ليس بسنة للخلفاء المأمورين بإتباعها ولأنه لا حجة أبداً في تصرفات الناس ولأنه ليس من مصادر التشريع الاستدلال بالوقائع التاريخية إنما الحجة في الكتاب والسنة وما أجمع عليه الأئمة.

وقالوا إن الاختلاط سائغ إذا كان بحسن نية وصفاء سريرة . والجواب عن ذلك : إن النية لا تصح إلا في الأعمال الصالحة فـ "النية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد" ولو أن رجلا أراد أن يحج إلى بيت الله لكنه سرق للحصول على مؤونة الحج ، فهل نيته الصالحة تسوغ ما فعله من حرام ، ألم تبطل السرقة حجه ونسفت عمله من أساسه؟ ، الجواب نعم دون شك . وكذلك الاختلاط وما يلحق به من ذنوب من خلوة ونظر ومصافحة وخضوع بالقول وزنا،كلها أعمال فاسدة في الشرع محرمة على المسلمين بنصوص الكتاب والسنة والنية الصالحة لا تغير من فساد هذه الأعمال.

قال الشيخ ابن باز يرحمه الله لما سئل عن الاختلاط إذا كان بحسن نية : هذه الأمور من عادات الجاهلية الأولى والواجب شرعاً عدم كشف المرأة وجهها إلا لذوي محرمها كما أن الواجب على المرأة عدم الاختلاط بالأجانب وهي متكشفة ويجب عليها أيضاً أن لا تخلو في مكان مع رجل أجنبي وهو الذي لا يكون محرماً لها ، لأنه يحث بسبب ذلك من المفاسد ما لا حصر له . والله ولي التوفيق .أ . هـ كلامه رحمه الله .

ومن مسوغات الاختلاط لدى دعاة الليبرالية قولهم : إن المرأة الشريفة المحافظة على عرضها لا يضرها الإختلاط بالرجال ولا تتأثر بذلك !. وجوابنا على هذا أن الشريعة لم تبن أحكامها العامة على مقاصد المكلفين ونواياهم وصلاحهم أو فسادهم ، لأن ذلك لا يمكن ضبطه وإنما بنت أحكامها على الظاهر , فالخمر حرام ولو كان شاربها من المصلين ، والموسيقى حرام ولو استمع إليها من يبادر إلى الصدقة والانفاق في أوجه البر ن فصلاح الشخص او فساده لا يؤثر في الأحكام العامة شيئاً ، ونحن متعبدون بإتباع الشرع , وفي قضية الاختلاط فإن الغالب على الناس الإفتتان بالمرأة ولا عبرة بالنادر ويجب أن يكون الشرع حاكماً على شؤون الحياة .

ومنهم من يناقش قضيةَ الاختلاط بمثالية مفرطة؛ فينظر إلى واقع الشبان والشابات نظرةً مثالية، ويظن أنهم كلهم بمنأى عن مزالق الفاحشة.
والعجيب أن هؤلاء يدعون الواقعيةَ في التعامل مع الواقع، ويطالبون غيرهم بأن يعالج الأمور بنظرة واقعية تراعي طبيعة البشر وطباعَهم، ويتناسَوْن أن من طبيعة البشر ميل كل جنس إلى الآخر ، ويتناسَوْن أن النظرة الواقعية في طبيعة العلاقة بين الجنسين تفرض التحرّزَ والتحوّطَ، لا التساهلَ والمبالغة في إحسان الظن، والتعويلَ على الحصانة الإيمانية والثقافية.

فالواقعية تقول أنه قليل من الشباب من يتقي ويصبر إذا أحاطت به المغريات من كل جانب ، والواقعية تقول: إذا اختلط الشبان والشابات نشبت بينهم نار الفتنة، ونشأت فيهم العلاقات المحرمة، والواقعية تملي على أصحابها النظر في تجارب البلدان الأخرى ، فما زالت أكثر الدول تطوراً وأحكمها نظاماً وأصرمها قانوناً تعاني من مشكلات التحرش الجنسي، وهي تزداد في كل سنة بنسبة مضاعفة.

بسبب الواقعية أوجبت الشريعة الفصل وضرب الحجاب بين الرجال والنساء، قال تعالى { ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن } ، فلا يجوز لأحد أن يقول غير ما قال الله . لا يقل أحد إن الاختلاط وإزالة الحجب, واللقاء والجلوس والمشاركة بين الجنسين أطهر للقلوب, وأعف للضمائر, وأعون على تصريف الغريزة المكبوتة, وعلى إشعار الجنسين بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك. يقولون هذا والله يقول {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن }. وهذه الآية نزلت في نساء النبي الطاهرات، أمهات المؤمنين، ورجال الصدر الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لا تتطاول إليهن وإليهم الأعناق، وحين يقول الله قولاً، ويقول خلق من خلقه قولاً، فالقول لله وكل قول يخالفه فهو هراء, لا يردده إلا من يجرؤ على القول بأن العبد أعلم وأحكم من الله .
إن في الاختلاط مفاسد عظيمة ومعاصٍ جسيمة كإطلاق البصر إذ لا يتصور أن يختلط رجل بامرأة ويغض بصره عنها ، قال تعالى { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ }...

لقراءة المزيد وتحميل النص الكامل للمحاضرة – اضغط هنا -

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق