هدم المرجعية الدينية.. ما أشبه الليلة بالبارحة!
د. سعد البريك
إذا تقرر أن المرجعية الدينية تُعتبر صمام أمان يحفظ المجتمع من الذوبان والتحلل والفوضى والفتن، ويحفظ للدولة استقرارها، ويُخمد جذوة الصراع المشتعلة بين الحاكم والمحكوم، ويساهم في زرع الثقة بين الطرفين وما ينتج عن ذلك من رخاء اجتماعي واقتصادي وثقافي علمي، فإننا نتساءل: ما الهدف من ضرب المرجعية الدينية وهدمها ونزع هيبتها من قلوب المسلمين؟ وما هي نتيجة ذلك وأثره على الفرد والمجتمع، وعلى الدولة والمواطنين على حد سواء؟
إن المطالع لصفحات التاريخ يكتشف أن الإطاحة بالدول والأنظمة الحاكمة وإقامة انقلاب عليها يبدأ دائما بالانقلاب على المؤسسات التي تحفظ توازنها وتساهم في ترسيخ شرعيتها، حتى تفقد الدولة كل سند من شأنه أن يُمد لها يدها ويجنبها السقوط، والمرجعية الدينية الشرعية هي التي تسعى عبر علمائها إلى إحلال السلم والأمن في المجتمع، عبر تجنيبه مزالق الفتاوى المضلة التي تستبيح دماء المسلمين وتُحيل أمنهم خوفا، وهناءهم نكدا، ورغدهم المعيشي تعاسة وألما، وهي التي تسعى إلى حفظ حقوق المواطنين وحفظ دينهم وعقولهم من أن تتلبس بها الأفكار المنحرفة والقيم الخاطئة.
لقد حارب الطورانيون في تركيا مشيخة الإسلام العثمانية لأنها كانت بنظرهم أكبر عائق يحول دون مشروعهم القاضي بإسقاط الخلافة الإسلامية، حيث أن العلماء ببصيرتهم العلمية ونور الإيمان الذي حوته قلوبهم كانوا يُدركون أن الدولة العثمانية رغم ضعفها وتهلهلها واختلال كثير من نظمها كانت صمام الأمان لصد هجمات المعتدي الخارجي ولوقف نزيف الفتن الداخلية المتطايرة، وكانوا يُدركون تمام الإدراك معنى المقولة المشهورة (ألف ليلة تحت سلطان جائر خير من ليلة واحدة دون سلطان)، والواقع يُصدق في كل حادثة مشابهة هذا التصور، وما أمر العراق الجريح وما آل إليه من الفرقة والفوضى والهرج وسفك دماء الأبرياء ببعيد.
لقد سعى أتاتورك بعد توليه الحكم إلى كسر المرجعية الدينية العثمانية المتمثلة في العلماء الذين لهم مركز مرموق لدى (الباب العالي) بشتى الطرق والوسائل، واتخذ إجراءات صارمة وقطع رقاب المشايخ المعارضين لكل سياساته الانقلابية على النظام الإسلامي ورموزه، بما في ذلك اللغة العربية والثوب والعمامة، لأنه كان يعلم أن العلماء كانوا حجر العثرة الحقيقي أمام مشروعه التغريبي، وأنه لا الأحزاب ولا النقابات ولا السياسيون يحظون بمكانة عالية لا تتزعزع في قلب الشعب التركي، ولهذا كان مشروعه يقتضي ويستلزم القضاء على العلماء جسديا وروحيا وثقافيا.
ومن أول ما قام به أتاتورك عندما نصب نفسه رئيسا على الجمهورية التركية بعدما ألغى الخلافة ونفى الخليفة وعائلته أنه ألغى وزارتي الأوقاف والمحاكم الشرعية، وحوّل المدارس الدينية إلى مدارس مدنية، وشنّ حملة واسعة للقضاء على مظاهر الإسلام في تركيا باعتقال العلماء وإغلاق المساجد، ولا يخفى في هذا السياق خبر شيخ الخلافة العثمانية مصطفى صبري (1286-1373/1869-1954) الذي هاجر إلى مصر هربا من اضطهاد أتاتورك، كما فعل غيره من العلماء.
لقد فرض أتاتورك على المؤذنين الأذان بالتركية، وقاومه العلماء وعارضوه، فكان مصير من أصر منهم على الأذان بالعربية القتل شنقا وتم تعليق جثثهم أمام المساجد نكالا بهم وعبرة لكل معارض، كما حاول فرض القبعة على المجتمع التركي فقاومه العلماء وأصدروا فتاوى حول حكم صلاة الرجل بالقبعة مقاومة لمسعاه التغريبي.
ومن طريف ما يُروى في هذا السياق خبر مناظرة جرت بين عالم ُحكم عليه بالإعدام والقاضي الذي حكم عليه في شأن القبّعة، وهي ـ بعيدا عن ثبوتها من عدمه ـ تكشف أساليب الحجة الشرعية والعقلية لدى العلماء.. فقد زعموا أنه (جاء القاضي وقال لهذا العالم المعارض للبس القبعة: عجباً لكم يا علماء الدين.. ما أتفهكم! هذه العمامة التي تلبسها إذا جعلتها على رأسك قلتم: مشروعة، وإذا استبدلتها (برنيطة) ـ أي قبّعة ـ قلتم: غير مشروعة، ما هو الفرق بينهما وهذا قماش وهذا قماش؟ قال العالم: أيها القاضي.. إنك تحكم عليّ وخلفك علم تركيا، فهل تستطيع أن تستبدله بعلم إنجلترا وهذا قماش وهذا قماش؟ فبهت القاضي).
ولهذا، فإنه من الخطأ الجسيم أن يقوم كائنا من كان بالاستهزاء بالمرجعية الدينية في بلدنا وتنقيصها والسعي في هدم مصداقيتها المستمدة من سلطان الشريعة، والخطأ هنا لا ينحصر في جانبه الشرعي فقط، حيث تقرر أن (لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في منتهكي أستارهم معلومة، وأن من طعن فيهم بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب)، ولكن حتى في جوانبه الأخرى، سياسية كانت أو اجتماعية أو ثقافية، لأن الطعن في علمائنا والانتقاص من أقدارهم وغمزهم ولمزهم بالتخلف والتعصب ونحو ذلك من الألقاب التي يسوّقها أعداء الإسلام بواسطة بعض (أبناء جلدتنا)، يؤدي حتما إلى انهيار المجتمع في كافة الجوانب. ولنسأل أنفسنا: من سيقف أمام الأفكار المروجة للفتنة والإرهاب باسم الشريعة، إن لم يكن لعلماء الشريعة أدنى قدر أو قيمة، ولا صوت مؤثر لديهم في المجتمع، ولا يدين الناس لهم بأي احترام، على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم، وعندما يصير الطعن فيهم سمة من سمات التقدم والحرية التي تحررت من كل شيء، إلا العبودية للغرائز والشهوات؟
www.saadalbreik.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق